المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من ظلال مكة المكرمة والمولد النبوي



أبوعبدالعزيز
10-22-05, 02:42 PM
في مآثر السيرة النبوية الشريفة

يذكر المؤرخون وكتاب السيرة النبي في طفولته، ويتحدثون بإسهاب عن صورها، والمعاني الخلقية والإنسانية التي اتصلت بها. فقد ولد محمد بن عبدالله يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول عام الفيل سنة 570 ميلادية، وذلك بعد شهرين من وفاة والده عبدالله، فخرج إلى الدنيا يتيماً فقيراً، لم يترك له والده غير خمسة من الإبل وقطيعاً من الغنم وجارية هي أم أيمن حاضنة محمد صلى الله عليه وسلم.


وكانت مكة هادئة الهواء، شديدة الحر، هادئة النفس، ما أحس أهلها شيئاً ولا ألقي في روعهم أمر، وإذا هم ينصرفون في صباح “الميلاد” إلى أمورهم ومعاشهم، وإذا عبدالمطلب قائم مقامه وحوله أبناؤه وجماعته من قريش فيمشي إليه البشير مسرعاً، حتى إذا انتهى إليه بشره بالمولود الجديد، فيهب جذلان فرحاً، ويمضي الى بيت آمنة فينظر إلى المولود وتحدثه أمه بما رأت وسمعت وشاهدت، فلا يعجب لشيء، ولا ينكر أمراً، ثم يحمل الصبي على ذراعيه إلى الكعبة فيطوف بها، ثم يقوم داعياً الله شاكراً له ما أعطاه، ذلك أن عبدالمطلب كان محباً لعبدالله ولده، ولوعاً به، فلما توفاه الله ملأه النكد، وغلبه الحزن، فإذا ما رأى المولود الجديد جلا الله الحزن عن قلبه، وحبب الصبي إلى جده، فكان من أكثر الناس عطفاً عليه وبراً به، ورعاية له.

ثم يخرج الشيخ فيدفعه إلى أمه وهو يقول:

لقد أسميته محمداً.

وهو اسم جديد في العربية، ليس يقع علمنا حتى الآن على أن العرب كانت تسمي مواليدها بهذا الاسم قبلاً.

ولسنا نعلم شيئاً كثيراً عن حياة محمد في طفولته، إلا ما كان من إرساله إلى البادية للرضاعة فيها، كعادة العرب في ذلك العهد، ويظهر لنا من تنكر المرضعات لمحمد وهو في طفولته، وما تذكره لنا السيرة من أنه لما عرض على المرضعات ابينه لما قيل لهن إنه يتيم، ذلك أنهن إنما كن يرجون المعروف من والد الصبي، فإن تولى هذا الموت، فلا أمل لهن بشيء من النعمة أو حظ من البر، كل هذا يدل على أن ما تركه له والده من إبل وغنم لم يكن يعد شيئاً مذكوراً، كما ينعقد الاجماع على أن عائلة محمد مع شرفها وعظيم مركزها كانت عائلة فقيرة.

فإذا كان محمد في السادسة من عمره توفيت أمه، فكفله جده عبدالمطلب.

ويصبح الشيخ ذات يوم مريضاً مثقلاً فيعلم أنه زائل وأنه مفارق مكة فراقاً لا رجوع بعده، ويقف محمد أمام فراش جده يشاهد انتقال وليه إلى العالم الآخر، لله من دموع اليتيم ما أحرها وأشدها، هذا الفتى اليتيم ما يعرف أباه وما اكتحلت عيناه بمرأى أمه إلا قليلاً، فإذا ما كفله جده وراح يبر به ويعطف عليه، راح يأخذه الموت من بين يديه، كأنما الأقدار تريد هذا الفتى أن يكون يتيماً حقاً، ما تضطرب حوله عاطفة ولا تبتسم أمامه بشرة راضية وهو في ذلك ضعيف، ما يملك للأقدار رداً، ولا يستطيع لها دفعاً.

وعندما يموت عبدالمطلب، فيكفل اليتيم عمه أبوطالب وقد غلب الصبي الحزن والألم، فيمضي كثيراً من يومه وبعض ليله يذكر فيه أباه الذي لم ير له وجهاً، ويذكر أمه التي لم تتوفر لها العناية به إلا بمقدار، ويذكر جده الذي فارقه منذ أمد قصير، ثم يطلق بصره إلى السماء يطلب منها ملجأ وحامياً وهو اليتيم الغريب الفريد.

ولم يبق لمحمد بعد أبويه وجده غير حاضنته “أم ايمن” جارية أبيه عبدالله التي شهدت ليلة الوضع والتي ما كادت ترى الطفل يسقط على الأرض ساجداً حتى يلقي الله حبه في قلبها، وحتى يمتلئ قلبها عطفاً عليه وشغفاً به، إذا هي تحضن الطفل وتحنو عليه، وإذا هي تغمره بصنوف من الحنان والمحبة والبر، وما تحويها غير قلوب النساء، فإذا ما أخذته المرضع الى البادية أسقط في يدها وتولاها من الحزن شيء كثير.

فإذا ما عاد الطفل الى مكة وتوفيت أمه بعد ذلك خلص اليتيم إلى الحاضنة من دون الناس، فتقف نفسها عليه، وتختصه بحبها وحنانها كله، وهي أمة حبشية ما عرفت الحنان والحب والعطف إلا في هذا الطفل، ولا تفهمت ما فيها من المعاني الرائعة إلا حين رأت اليتيم واختصت به.

ومن المؤكد أن محمداً لما توفي جده عبدالمطلب كان في الثامنة أو التاسعة من العمر، ولا ندري على وجه التحقيق شأنه في هذه السنوات التي تقطعت بعد وفاة جده، ولكننا نؤكد انصرافه فيها إلى رعي الإبل والغنم للحصول على بعض معاشه أو لإعالة نفسه، لأن عمه “أبا طالب” الذي كفله بعد وفاة جده كان رجلاً فقيراً كثير العيال، فكان لا بد، والحالة هذه، لمحمد من القيام بعمل يكفيه بعض الكفاية حتى لا يكون عالة على عمه.

ومن المؤكد اليوم أن رعي الإبل والغنم في ذلك العهد وفي مكة خاصة لم يكن من الأعمال التي يقبل عليها أشراف الناس وأغنياؤهم، وإنما كان عملاً خاصاً بالفقراء والأيتام من أهل مكة، من الذين لم يكن بمقدورهم القيام بتجارة، خصوصاً أن التجارة في مكة كانت نافقة رابحة في ذلك العهد، فكان كل أهلها من التجار، حتى نساؤها كن يتعاطين التجارة، كما هو حال خديجة زوج محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تتعرف به، واتفقت معه على الذهاب بتجارة خاصة إلى دمشق.

ومن المفروض في قوم يشتغل نساؤهم في التجارة ان يكون رجالهم أكثر إقبالاً عليها، ونفاذاً بها، ويقدر بعض المستشرقين مقدار الأموال التي كانت قريش تضعها في تجارتها وترسلها الى دمشق في السنة الواحدة بما لا يقل عن مائة ألف دينار ذهباً.

أما سفر محمد الى الشام مع عمه أبي طالب وتعلقه به، وسؤاله له في إلحاح الصبي وإغرائه أن يحمله معه في سفره، وهو إلى ذلك لايزال يضطرب في التاسعة من عمره فأمر لا يزال موضع أخذ ورد عند كثير من المستشرقين.

ذلك أن بعضهم يرى في القصة المشهورة عن السفر إلى دمشق أو إلى الشام واجتماعه إلى بحيرا الراهب المسيحي وتحذير بحيرا لعمه من خطر اليهود على اليتيم، قصة تجعلها قريبة إلى الاختراع منها إلى الأمر الواقع.

وقد تناول المستشرقون حديث هذه السفرة كما تناولوا سواها من الأحداث التي ارتبطت بتاريخ الرسول صلى الله عليه وسلم وذهبوا في تأويلها المذاهب، فأنكرها بعضهم وأشار الآخرون إلى أهميتها وخطورتها.

إن حياة محمد قبل الخامسة والعشرين من عمره لاتزال محوطة بكثير من الغموض والإبهام، أما بعد الخامسة والعشرين فإن محمداً يدخل في التاريخ فلا يخرج منه بعد ذلك أبداً، غير أنه لا بد من الحديث عن وجوه بعض الأحداث التاريخية التي يمكن له أن يكون تأثر بها.

د. قصي الحسين
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
20-10-2005