المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأمراض والحرمان



أبوعبدالعزيز
11-18-05, 09:28 AM
يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة ص: “واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب. اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب. وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب” (الآيات: 41-44).

في هذه الآيات الكريمة يروي لنا الحق سبحانه قصة ابتلائه لعبده الصابر أيوب عليه السلام ليأخذ منها الجميع العبرة والعظة.

وأيوب عليه السلام هو ابن أموص بن برزاح، وينتهي نسبه إلى إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام وكان صاحب أموال كثيرة، وله أولاد، فابتلي في ماله وولده وجسده وصبر على كل ذلك صبرا جميلا، فكافأه الله تعالى على صبره بأن أجاب دعاءه، وآتاه أهله ومثلهم معهم.

و”النصب” - التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبني الأمر، إذا شق عليه وأتعبه، والعذاب: الآلام الشديدة التي يحس بها الإنسان في بدنه، أي: واذكر أيها الرسول الكريم حال أخيك أيوب - عليه السلام - حين دعا ربه تعالى - فقال: يا رب أنت تعلم أني مسني الشيطان بالهموم الشديدة، وبالآلام المبرحة التي حلت بجسدي فجعلتني في نهاية التعب والمرض.

وجمع سبحانه في بيان ما أصابه بين لفظي النصب والعذاب للإشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التي كانت بين يديه، وهو ما يشير إليه لفظ “النصب” والألم الكثير الذي حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ “العذاب”.

ونسب ما مسه من نصب وعذاب إلى الشيطان تأدبا منه مع ربه - عز وجل - حيث أبى أن ينسب الشر إليه سبحانه، وإن كان الكل من خلق الله تعالى.

وفي هذا النداء من أيوب لربه، أسمى ألوان الأدب والإجلال إذ اكتفى في تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك، ودون أن يقترح على خالقه - عز وجل - شيئا معينا، أو يطلب شيئا معينا.

وهذه كلها - كما يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسيره الوسيط للقرآن الكريم - أقوال باطلة، لأن الله تعالى عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة، التي تؤدي إلى ابتعاد الناس عنهم، سواء أكانت أمراضا جسدية أم عصبية أم نفسية.

والذي يجب اعتقاده أن الله تعالى قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التي لا تتنافى مع منصب النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل في الصبر، فكانت عاقبة صبره أن رفع الله تعالى عنه الضر والبلاء، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه.

وقوله سبحانه “اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب” حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه، وقوله: “اركض” بمعنى الدفع والتحريك للشيء.

والمغتسل: اسم للمكان الذي يغتسل فيه، والمراد به هنا: الماء الذي يغتسل به.

والمعنى: لقد نادانا عبدنا أيوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه والتمس منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض، فاستجبنا له دعاءه، وأرشدناه إلى الدواء بأن قلنا له: “اركض برجلك” أي: اضرب بها الأرض فضربها فنبعت من تحت رجله عين الماء فقلنا له: هذا الماء النابع من العين إذا اغتسلت به وشربت منه برئت من الأمراض ففعل ما أمرناه به، فبرئ بإذننا من كل داء.

ثم بيّن سبحانه انه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال تعالى: “ووهبنا له أهله ومثلهم معهم. رحمة منا وذكرى لأولي الألباب”.

والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق، أي: استجاب أيوب لتوجيهنا، فاغتسل وشرب من الماء، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء وعاد أيوب معافى، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله، ووهبنا له “مثلهم معهم” أي: بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه فصار عدده مضاعفا.

وذلك كله “رحمة منا” أي من أجل رحمتنا به “وذكرى لأولي الألباب” أي: ومن اجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب، ويلجأوا إلى الله تعالى كما لجأ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل.

منقول من جريدة الخليج
الإمارات
5-8-2005