المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "كاتب الولاية" بصمة من التاريخ



أبوعبدالعزيز
08-28-09, 11:37 AM
"كاتب الولاية" بصمة من التاريخ
مسجد يتجاور مع كنيسة شاهداً على سماحة الإسلام

للوهلة الأولي عند رؤيتك للمكان تشعر بالاستغراب والدهشة مسجد مئذنته تعانق جرس كنيسة مجاورة له.. مشهد يدل على سماحة الإسلام،
وعلاقة الود التي تربط المجتمع المسلم في غزة بالعدد القليل من المسيحين.

http://www.ali4.com/images4vb/masaged/masgedKatebAlwlayah.jpg

غزة تلك المدينة الصغيرة في حجمها، العريقة في تاريخها وقدرها وتراثها.. تعاقبت عليها حضارات مختلفة ومتنوعة وكل حضارة فيها تركت
فيها أثرا ومعلما تاريخيا يدل عليها من مساجد وكنائس وأسواق وحمامات، ومن بين أعرق هذه المعالم مسجد “كاتب الولاية” الملاصق لكنيسة
الروم الأرثوذكس في حي الزيتون، ويعود تاريخه إلى العصر المملوكي مع إضافات وتحسينات يرجع تاريخها إلى العصر العثماني.
المؤرخ والخبير في الآثار والمواقع التاريخية سليم المبيض يروي القصة التاريخية لمسجد “كاتب الولاية”، فيقول: يقع المسجد في حي الزيتون
في قلب غزة القديمة على مساحة تقدر بنحو 377 متراً مربعاً وهو الجامع الوحيد الملاصق تماما لكنيسة الروم الأرثوذكس وقد تم بناؤه أيام
حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون الثالث (709-741ه). وفي سنة 995 هجري تعرض المسجد للهدم حيث قام أحمد بك “كاتب الولاية”
بإعادة بنائه على نفقته الخاصة ومن هنا جاءت تسميته بكاتب ولاية كما أوضحته بلاطة رخامية بنيت أعلى عتب باب الجامع الشمالي.
ويتألف المسجد من مصلى رئيس به عمودان رخاميان يعلوهما تيجان بزخارف بارزة يحملان ستة عقود مصلبة وفي المنبر بقايا أحجار مزخرفة
بنيت فوق باب الروضة أزيلت معظم نقوشها كما تعرضت للطلاء بالدهان، أما المئذنة فتقع للشرق من الجامع لكنها تبدو أقل زخرفة من مآذن غزة
السابقة لتعرضها للهدم غير مرة كان آخرها في الحرب العالمية الأولى حين قام الأهالي بتعليتها، والمئذنة قائمة على قاعدة مربعة يعلوها بدن مثمن
في أسفله شبابيك مستطيلة يعلوها جميعا هلال قائم على ثلاث كرات نحاسية، وبالإضافة الى هذا فقد عثر على بلاطة رخامية بيضاء حفر عليها
بالخط الكوفي الجميل ستة عشر سطرا.

ذكريات طفولة

وركز المبيض في حديثه عن القصة التاريخية لمسجد “كاتب الولاية” في نموذج الطراز الإسلامي في البناء، وكان يعتمد على أن تكون كل منطقة
عبارة عن مدينة كاملة تحتوي على مسجدها المستقل والسوق والخان والحمام الخاص بها، بحيث يجد المسافر احتياجاته كافة في مساحة لا تزيد
على مائة متر مربع، ولذلك فإن طلاب الهندسة على تواصل دائم معي لدراسة ذلك الطراز العمراني الفريد والمميز.
ويضيف: منطقة حي الزيتون التي يوجد بها مسجد كاتب الولاية وكنيسة الروم الأرثوذكس تبدأ من “باب الدروم”، الذي يعني “باب الروم” فكانت
تقام المواسم والاحتفالات في تلك المنطقة بحيث تنصب عند الكنيسة والمسجد المراجيح والألعاب وليس فقط على صعيد منطقة “باب الدروم”
فقط بل تمتد لمناطق مجاورة لها. ورجع المبيض بذاكرته سنوات طويلة إلى أيام طفولته، ليقول: كانت أمهاتنا تقوم في تلك المناسبات والمواسم
بتلوين البيض وزخرفته بشكل جميل ورائع وكل طفل يحمل بيضة أو بيضتين ثم نلعب لعبة تسمى “مطاقشة البيض”.
ويرى أن طبيعة وجود المسلمين إلى جانب المسيحيين في ذلك المكان جعل كل طرف يكتسب من الآخر ما يناسبه فمثلا لعبة “مطاقشة البيض”
أصلها مسيحي وما تزال قائمة حتى يومنا هذا ولكن عندما أخذها المسلمون تم صبغها بطابع إسلامي يناسب معتقداتنا وأيضا كثير من المسيحيين
أسلموا نتيجة لذلك الجوار واختلاطهم بالمسلمين. وكذلك ليس على صعيد فقط مسجد “كاتب الولاية” وكنيسة الروم الأرثوذكس المتجاورتين فعند
الدخول لتلك المنطقة الصغيرة جدا ذات الشوارع الضيقة والبناء الأثري تجد أيضا بيوتاً كثيرة للمسيحيين ملاصقة تماما لبيوت المسلمين وإن دل
هذا على شيء فإنما يدل على التسامح والتآخي بين المسلمين والمسيحيين في غزة على مر العصور.

قديما.. وحديثاً

الحاج أبو نبيل المزيني (70 عاما) أحد رواد وجيران مسجد كاتب الولاية يروي علاقته بالمسجد ومعرفته به وكأنه يتحدث عن أحد أبنائه أو أحفاده،
ويبدأ حديثه بقوله: شهد هذا المسجد جميع مراحل حياتي منذ طفولتي وشبابي وحتى شيخوختي فلا يبعد المسجد مسافة بضعة أمتار عن منزلي،
أنا وكافة أسرتي نحرص على أداء كافة الصلوات فيه.
وتعود أصول مسجد كاتب الولاية للعصر المملوكي 735 هجري وهذا ما أكسبه أهميه ومكانة تاريخية وأثرية كبيرة ويجعل الكثير من دارسي
التاريخ والآثار يرتادونه، وكذلك طلاب الهندسة من كافة الجامعات والأجانب، ويقول أبو نبيل مازحا: “من كثرة من يأتي يسأل عن جامع كاتب
الولاية ويريد أن يسمع حكايته بدأت اشعر أنني اعمل مرشدا سياحيا للمسجد”.
بني المسجد على الطراز القديم ويتكون من بيت كبير عبارة عن 6 أقواس (خيم) وفناء واسع وما زال على حاله محافظ عليه من قبل وزارة الآثار
والجهات المختصة، وأيضا كل فترة يقوم أهل الخير بجمع المال عبر التبرعات لترميمه والاهتمام به.
وإن أهم ما يميز هذا المسجد تجاوره مع كنيسة الروم الأرثوذكس، ويقول أبو نبيل: دائما يتم سؤالي عن طبيعة العلاقة بيننا وبين إخواننا المسيحيين
المجاورين لنا في الكنيسة، وهل توجد خلافات بيننا أو مضايقات ولكن طبيعة العلاقة بيننا قائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار كما وصانا
الرسول صلى الله عليه وسلم، فالدين الإسلامي يحترم كافة الأطياف والأديان، ويحثنا على حسن معاملة الجار، فالأذان يرفع والأجراس تقرع دون
أية مشاكل وذلك يدل على التآخي والمحبة بين الطرفين.

خلال رمضان

تقام كافة الصلوات بشكل مستمر ودائم في المسجد وهناك إقبال من كافة شرائح المجتمع للصلاة فيه ومن مختلف الأعمار، فالمسجد قائم وعامر بذكر الله،
ولكن في شهر رمضان المبارك يكون هناك تزايد في أعداد المصلين وتكون له نكهة خاصة، ويصف أبو نبيل الابتهالات الدينية التي تذكر فيه والتسبيح
الذي يتردد في أرجاء المسجد قبل أذان المغرب في شهر رمضان، ويتمنى لو أن هذه النكهة تستمر طول العام، ويستمر الإقبال الشديد على المسجد مثلما
يكون عليه في شهر رمضان حتى إن كثيراً من المصلين لا يجدون لهم مكاناً في الداخل ويضطرون إلى الصلاة على أبواب المسجد من الخارج.
ويقيم القائمون على المسجد بعض الأنشطة الدينية الخفيفة من تحفيظ القرآن وبعض دورات الأحكام البسيطة كون المسجد مساحته صغيرة لا تسمح
بإقامة نشاطات موسعة ولكن تزداد دورات التحفيظ وخصوصا للأطفال في الإجازة الصيفية وتعقد بعض الندوات الدينية فيه بعد صلاة العصر للتوعية والإرشاد للمصلين.
تاريخ مدينة غزة حافل بالأماكن الأثرية ومسجد “كاتب الولاية” نقطة في بحر المعالم التاريخية الموجودة فيها فكل شارع وزقاق في مدينة غزة يروي
حكاية تختلف عن سابقاتها من القصص فتارة نعيش في الزمن المملوكي وتارة أخرى في العصر العثماني وفجأة نجد أنفسنا في العصر الأموي فالكل
ترك بصمة مميزة في مدينة غزة.


الجمعة ,28/08/2009
غزة - رائد لافي وهبة صبيح
جريدة الخليج-الإمارات