المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامارات المتصالحة (3)



أبوعبدالعزيز
10-18-04, 02:06 PM
في شهر يوليو عام ،1958 سافرت الى الامارات المتصالحة جواً عن طريق البحرين، حيث مقر المقيم السياسي البريطاني ومركز قيادته للقاء موظفي المقيمية وقادة البحرين وكبار ضباط الجيش ورجال الأعمال.

كان شارلز كولت الطويل القامة والرقيق الحديث الذي بدأ حياته في القسم القنصلي لشرقي البحر المتوسط، هو المقيم السياسي بالوكالة، رحب بي شارلز هو وزوجته الرقيقة “مارجريت” التي كان لها ميل وموهبة المسرحي الهاوي، ترحيباً حاراً في مكتب الوكالة الجديد الذي تم بناؤه في مكان المكتب القديم الذي أرعب انهياره “جون وول” الوكيل السياسي السابق حينما كان يتناول فطوره(9).

وقد أشار علي (بيتر تريب) الذي خلفته في الامارات المتصالحة، وهو صديق لي منذ وجودنا في السودان، كتب إلي، بجلب قبعة معي لأن حرس الكشافة سيستقبلني في الشارقة، وجالت في ذهني لفترة قصيرة، صور للشباب الكشفي العربي حتى انني تذكرت ان القوة العسكرية التي كانت تحت امرة الضباط البريطانيين، والتي تعرف بقوة الامارات المتصالحة، قد أصبحت هي فرقة الكشافة.. وقفلت راجعاً من البحرين الى الشارقة بطائرة “داكوتا” قديمة تابعة لطيران الخليج.. وفاقت الحرارة وعدم الراحة خلال الرحلة ما سمعته عن السمعة السيئة ل”الخليج الفارسي”(10).. وفوق البحر خيمت الغيوم التي تحمل رطوبة الماء الخانقة الحرارة.. وعند الطيران فوق جزيرة داس ومنصة الحفر لشركة أبوظبي للمناطق الساحلية، رأيت للمرة الأولى العمليات البترولية التي ستغير وجه أبوظبي والمنطقة كلها في السنوات المقبلة(11).

كان في استقبالي الشيخ سيف بن عبدالرحمن نائب حاكم الشارقة في المطار المكشوف، وكان الشيخ سيف نحيفاً وودوداً، يضع على عينيه نظارتين لونهما أخضر داكن، ويرتدي الملابس العربية التقليدية التي غطى أعلاها حزام الرصاص وبندقيته التي تدلت من كتفه، وضم حفل المستقبلين “بيتر تريب”، و”هوكي ووكر” مساعد الوكيل السياسي، و”دزموند بانيستر” قائد كشافة الوكالة، و”ألك كلهام” قائد القوة الجوية و”دزموند مكولي” الطبيب العسكري السامي في الامارات المتصالحة. وليس بعيداً تقف القلعة التي بنيت في الثلاثينات لحماية المسافرين جواً من بريطانيا الى الهند بعيداً عن أنظار البدو المغيرين وغير المرغوب فيهم. وعند القلعة وقرب مدفع علاه الصدأ، تهيأ حرس شرف من فرقة حرس كشافة الامارات المتصالحة بملابسه الجميلة الزاهية الألوان المرقطة باللون الأحمر وغطاء الرأس العربي الأبيض اللون.

وبعد ان زرنا الشيخ سيف، اتجهت أنا و”بيتر تريب” بسيارة “همبر” الفضية اللون يرفرف فوق أحد جوانبها العلم البريطاني الى دبي، عبر الصحراء سالكين طريقاً غير معبد بين كثبان الرمل ومزارع النخيل. وتعالت أبراج المدينة الطويلة التي خصصت لاصطياد نسمات الهواء من خلال غيمة بخار الماء مثل ساحل سان كيمكانو الإيطالي(12)، عبرنا الخور الذي يفصل “ديرة” عن دبي بالعبرة، واستقر بي المقام في دار الاعتماد التي هي عبارة عن مبنى حديث منخفض غير جميل، تلاشى تحت هيبة سارية العلم الكبيرة التي يرفرف فوقها العلم البريطاني الذي كان يتشبث به من تسنح له الفرصة من العبيد للفوز بحريته.

في دبي ذاتها كان السوق يضج بالحياة، فالتجار يجلسون متربعين في محلاتهم الصغيرة والبضائع منتشرة غير بعيدة حولهم، وهم يملون على موظفيهم ما يريدون كتابته، أما في شوارعها فيختلط العرب بالإيرانيين الذين يرتدون العمائم الموشاة بالخيوط الذهبية، وبالهنود الذين يلبسون فوق رؤوسهم الطاقيات المدورة(13)، وبالباكستانيين الذين يرتدون الطاقيات الوبرية المدورة (14)، وينتشر العمال وأصحاب العربات الصغيرة التي يجرونها بأنفسهم والذين غرقوا في عرقهم المتصبب في كل مكان، والحمير المحملة بصفائح الماء تخب في سيرها، يسبق رنين أجراسها صاحبها.. أما الجمال فيتركها أصحابها في الجمالة(15)، باركة تجتر طعامها متطلعة لما حولها باستصغار وترفع!.. في بعض السنين تكون أكوام الجراد مثل تلال الروبيان، ولأن البدو يحبون الجراد، فإنهم يعتبرون حشودها هبة من الله، ولكنها لعنة على المزارعين الذين يمكن ان يدمر الجراد مزروعاتهم خلال سويعات.

وللحديث صلة غداً إن شاء الله.



هوامش:

(9) يتحدث الكاتب عن البحرين

(10) يقصد السمعة السيئة: كثرة الحرارة والرطوبة

(11) يقصد السنوات التي تلت عام 1958

(12) يقصد بالأبراج، البارجيل

(13) يقصد بلابسي الطاقيات المدورة (القحفية) الحيدرباديين، والحقيقة ان العجم عموماً فرساً وحيدربادية كانوا يلبسون القحفية العمانية وخاصة سكان الساحل الفارسي من الخليج وأهل عمان الساحل، وبدأت هذه القحافي في الاختفاء منذ الخمسينات من القرن الماضي ليحل محلها اللباس الخليجي التقليدي الكوفية والعقال (غترة وعقال)

(14) يقصد البهرة من الهنود الذين يلبسون طاقيات من هذا النوع، وكانت طلائع من هؤلاء بدأت تفد الى دبي كتجار لمعدات اللحام والخرط ومقابض الأبواب في منتصف الخمسينات من القرن الماضي

(15) يقصد ساحة السبخة المشهورة في دبي
تأليف: دونالد هولي
ترجمة: عبدالغفار حسين
منقول من جريدة الخليج
الإمارات