المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمارات المتصالحة.. (8)



أبوعبدالعزيز
10-22-04, 10:14 AM
ألقى “برنارد بورو” كلمة بالعربية مهنئاً بها الشيخ راشد، وسلمه رسالة رسمية بالاعتراف بولايته، وعندها اطلقت مدفعية الفرقاطة “لوج انش” خمس طلقات تحية بالمناسبة، وللأسف لم يسمع الإطلاقات الا أولئك الذين تمتعوا بقوة سمعية كبيرة لأن السفينة الحربية كانت راسية على بعد ميل من الساحل والرياح كانت عكس الاتجاه (32)، نهض الشيخ راشد الرجل الخجول في مثل هذه المناسبات وسلم المقيم السياسي رسالة رسمية جوابا على رسالته، بعدها القى الشيخ مكتوم كلمة قصيرة ولكنها صادقة نيابة عن ابيه. دعا في كلمته الشعب للتعاون واكد لهم بأنه سيعمل بما يخدم مصالحهم. نهض بعدها سيف بن غرير وهو شاب من عشيرة بني ياس معربا عن ولاء الشعب كان ذلك مساهمة خاصة منه لعودة ابيه من المنفى (33). ونهض بعده المشرف التربوي الأردني الذي عمل رئيسا للمراسيم وبعد ان امسك المايكروفون كمغن لموسيقا (البوب) اطرى بشكل مبالغ فيه على تتويج الشيخ راشد (34).. والحقيقة ان مودة الناس الصادقة اهم انطباع في تلك المناسبة.

كانت دبي الامارة الاكثر استعدادا من بين الامارات الأخرى للتغيير، واستعد الشيخ راشد لتطويرها بسرعة، مستخدما الأموال التي كانت تدرها عائدات المغامرات التجارية للتجار ومن ضمنها تصدير الذهب، كان الشيخ راشد كثير الاستشارة (35)، ووضع ثقته بأولئك الذين تم اختيارهم لتنفيذ خططه، كان ينهض الساعة الخامسة من صباح كل يوم ويتابع كل التفاصيل التي تقدم للعمل اللاحق.. اني اكن احتراما خاصا لهذا الرجل الفريد وعلاقاتنا كانت متينة. كان اذكى رجل قابلته، لم يحصل على اي تعليم رسمي، في الحادي عشر من شهر اكتوبر/تشرين الأول عام ،1958 اخبرني وبصورة تلقائية أدهشتني بانه يرغب دائما باستشارتي عن كل شيء، وتنفيذا لصدقية هذا كان يزور الوكالة دون موعد مسبق حينما تراوده فكرة جديدة، وفي مثل هذه المناسبات فإنه كان يبدأ بتدخين غليونه الصغير “المدواخ”.. وبعد جلوسه، يخرج من جيبه قنينة اسبرين قديمة ويسحب منها كمية من التبغ القوي الذي كان يزرعه في حديقته قرب رأس الخيمة، كنا نبدأ الحديث بعد ان ينتهي من تدخين غليونه وامتلاء الغرفة بالدخان، كنا نمزح من حين لآخر، كان الشيخ راشد ذا شخصية مرحة، خفيف العينين وظريف المزاج، كان يؤنبني لأني كنت اعزب وكنت ارد عليه مازحا لماذا لم تتزوج الا واحدة وانت مسلم؟ وكان يجيبني بأن زوجة واحدة تكفي!.

في شهر يناير/كانون الثاني عام 1959 وجهت الاهرام القاهرية انتقادا شديدا الى حكام الامارات المتصالحة مدعية بأنني والموظفين السياسيين الآخرين في حديث يومي معهم. سخطت من التهمة بالرغم من ان دفتر يومياتي يؤكد بالفعل اني على اتصال معهم، ان خدمتي في السودان على ما يبدو جعلتني متشوقا للمساعدة في تحديث المنطقة وشجعني على ذلك بعض الشخصيات الشابة، كان وقتا جامحا حتى ان احدى صديقاتي التي كنت اراسلها اتهمتني بالغطرسة ودفتر يومياتي اكد لي انها على حق..

كان الشيخ راشد اميراً تاجراً، ومن قصره (36) كان يراقب منطقة الجمارك والخور الجميل، لم يكن جمال الخور كافيا لأن دبي تعتمد على الخور في تجارتها.. في عام 1956 ضاق مدخل الخور وكان هناك خطر ان تسده الرمال الى الأبد مثلما حدث ذلك لعدد من (الخيران) على طول الساحل، حيث ازدهرت مدن هناك فترة من الزمن في الماضي. ولأجل منع حدوث ذلك عينت حكومة صاحبة الجلالة المهندسين والاستشاريين المدنيين (السير “وليم هالكروز) لحل المشكلة (37) وقمت بتوقيع العقد نيابة عن الحاكم وهو امر غريب، وفازت الشركة النمساوية الكويتية بتنفيذ تقرير المهندس “هالكروز” حيث كانت مهمتها زيادة تأثير سرعة ازالة الرمال المترسبة، ونصب ركائز على طول ضفتي الخور. وفي احدى الليالي حينما كان العمل جاريا ضربت الخور رياح عاصفة هوجاء وملئت مداخله بالطمي مرة ثانية، كانت لحظة عصيبة مُرة. وفي منتصف تلك الليلة طلب الشيخ راشد عندما اجتمعت به و”ريدهالغ” الشريك الاسمي للمهندس “هالكروز” حلا جذريا عاجلا، ولكن “ريدهالغ” اجابه بأنه لا يمكن لأي مهندس ان يعطي اي ضمان، واوصى بتوسيع شبكة الركائز نحو البحر متعهدا وفقا لاعتقاده بانها ستقوم بعملها بنجاح، قبل الشيخ راشد تعهده وبالفعل نجحت الخطة واليها يعود الرخاء الذي تنعم به دبي.
وللحديث صلة إن شاء الله



هوامش
(32) لم يكن في دبي آنذاك ميناء ترسو فيه السفن الكبيرة
(33) الذي ألقى الكلمة هو المرحوم ماجد الغرير الأخ الشقيق لسيف، وكان نبيهاً ويعتبر احد المثقفين البارزين في تلك الايام، اما قول المؤلف بأن أبا سيف الغرير كان منفيا فهذا غير صحيح .. لعله يقصد المرحوم حمد الفطيم.
(34) كان هذا الشخص السيد زهدي الخطيب الذي خلف هاشم ابو عمارة رئيس بعثة الكويت التعليمية.
(35) يقصد استشارته للناس.. كان الشيخ راشد رحمه الله يتحدث الى كل الناس، صغارا وكبارا ومن طبقات مختلفة، ويجعلك تشعر بأنه يطلب مشورتك في امر يعتقد بأنك عارف به.
(36) كان الشيخ راشد يعيش في بيت عادي وليس قصرا (كما اشرت الى ذلك سابقا) على ضفاف الخور وبعد ذلك في منطقة زعبيل.. كانت بعض المنازل المحاذية لبيته على الخور اكبر وافخم من منزله، منزل فاروق عرشي على سبيل المثال، وعرف هذا الرجل الكبير الشيخ راشد بالبساطة في المأكل والمسكن والملبس.
(37) على حساب حكومة دبي طبعا.
ولحفر الخور قصة وردت في ردي على كتاب السيد عيسى القرق، راجع قراءات في كتب من الامارات للمترجم.
تأليف: دونالد هولي
ترجمة: عبدالغفار حسين
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
22-10-2004