أبوعبدالعزيز
10-25-04, 01:35 PM
تأليف كتاب في رأس الأعمال الفنية الجليلة التي يقدمها الفرد لمجتمعه، لأن الكتاب عمل يحمل في طياته المعرفة، المعرفة التي نتناقلها من جيل الى جيل.. قد تقتصر منفعة هذه المعرفة على الوقت الذي تم فيه تأليف الكتاب، وجمع مادته، أو ما سبقه من وقت وزمان، وقد لا يعتبر من وجهة نظر البعض موصول المنفعة للحاضر وللآتي من الأيام، لا سيما في عصر كعصرنا هذا الذي تتجدد فيه المعارف في كل آن، لكن الكتاب مهما كان عتيق المحتوى، فهو خلاصة تجارب، يقدمها لنا كاتب الكتاب نتيجة تراكم معرفي كسبه ونتيجة معاناة ومداومة الاطلاع والقراءة والاستقصاء.. فالاطلاع على القرائح اطلاع على ثمرات الحياة كما يقول الكاتب الكبير عباس العقاد، “إننا نعرف الحياة الانسانية حق عرفانها اذا عرفنا الواشجة التي تجمع بينها على تعدد المصادر وتفاوت المؤثرات”.
إن تأليف كتاب، هو عمل فني راق يحتاج الى جهد فكري متوثب، مادته الثقافة والسير المتواصل في طريق اكتساب المعرفة، وعلينا في الإمارات، إذا أردنا ان نشارك في بناء حضارة، ان نحتفي بأي كاتب يخرج لنا كتاباً، أو يترجم لنا كتاباً من لغته الاصلية الى لغتنا العربية.. حتى ولو لم نتفق مع مضمون كتابه او لم نستسغه، لأن الكتاب عمل حضاري يضيء الدرب لمواكبة الحضارة والمشي نحوها. وفي التاريخ العربي الاسلامي نماذج من هذا الاحتفاء الذي لو أحيينا شيئاً مماثلاً له، لأحيينا سنة حضارية جميلة تثير الاعجاب.. لقد كان الخليفة العباسي، عبدالله المأمون، يعطي للكاتب او المترجم الذي ينقل كتاباً الى العربية، زنة الكتاب ذهباً، اي انه كان يضع الكتاب في كفة الميزان والذهب في الكفة الاخرى، أي ان المأمون كان يعتبر الكتاب أغلى من الذهب.. ولعمري، اية حضارة كانت تلك التي نعمنا بها يوماً وانقطعت بنا السبل عنها؟
في كشاكيل رمضاننا المبارك هذا، ومن بين مواضيع ثقافية إماراتية عامة، اقدم تعريفاً بكتب، كتبها مؤلفوها عن الإمارات وشؤونها في مواضيع مختلفة، من بينها فصول من كتاب قمت بترجمته لمؤلف عمل وعاش في الإمارات في الستينات من القرن الماضي، أبدأ به هذه الحلقات، ولعلي بهذا وبما استعرضه من مواضيع اقدم منفعة للقارئ العزيز.
لم تعرف دبي مياه الإسالة قبل عام ،1958 وكان السقاة يزودون المدينة بالماء على ظهور الحمير، ويعود فضل التجهيز الحديث للمدينة الى الشيخ أحمد بن علي آل ثاني حاكم قطر الذي تزوج الشيخة مريم بنت الشيخ راشد، استدعي مهندس الماء “إريك تلاك” الذي بقي في دبي حتى عام ،1999 ونصحتُ الشيخ راشد بأن الدائرة الهندسية في المجلس البلدي عليها أن تحتفظ منذ البداية بخرائط وسجلات مفصلة لمواقع الكابلات الرئيسية للكهرباء وكذلك أنابيب المياه وأسلاك الهاتف.
ولم يكن في دبي مطار في عام ،1958 وكان مطار الشارقة التي تبعد 12 ميلا هو المطار الوحيد الذي يخدم المنطقة مقدما تسهيلات لطائرات القوة الجوية الملكية والطائرات المدنية، وبسبب ضغط التجار الذين كانوا يمتعضون من دفع الضرائب للشارقة على ما يستوردونه من ذهب، أراد الشيخ أن يكون لدبي مطار حتى وإن كان لا يستقبل إلا الطائرات الصغيرة (49)، أشار التقرير البريطاني في البداية الى عدم وجود مكان ملائم قريب من دبي ولكن الشيخ راشد أجابني حينما أبلغته ذلك قائلا: “أطال الله عمرك، ولكن ما رأيك في المكان الذي كان يستخدمه سلاح الجو الملكي لهبوط طائراته أثناء الحرب؟”. إن هذا مكنني من إقناع الوكالة ووزارة الخارجية بأنه ليس في مقدورنا أو استطاعتنا أن نقف في طريقه ووقعنا اتفاقية الطيران المدني عام 1959 نيابة عن حكومة بلدنا الموقرة، ونجح الشيخ راشد في مناشدته لأن يكون المطار كبيرا مستوعبا لطائرات “الفيسكاونت”، وفازت شركة “كوستينز” بالتصميم وعقد إنشاء المطار والمدرج وافتتح في عام ،1960 وإنما سأبقى فخورا لاشتراكي في التنمية المبكرة بتلك المجالات لبلد نما وازدهر بشكل ملفت للنظر (50).
كان على المعلمين الحصول على تأشيرة دخول من الوكالة، وكانوا يحصلون عليها من دون تردد، وعندما زارني رؤساء بعثتهم طلبت منهم أن يلتزم المعلمون بالتدريس وعدم إشغال أنفسهم بالدعاية السياسية، وكانوا يوافقون بأدب على ذلك، ولكنهم لم يمنعوا تسلل السياسة الى المناهج التدريسية وبعض النشاطات الأخرى، فمثلا كان يسير طلبة كشافة المدرسة الذين دربهم المعلمون للعرض السنوي الذي كان استعراضا أكثر منه نشاطا رياضيا مرددين الشعارات خلف صورة للجزائري المناضل (51).
أخبرني وجهاء البلد بأنهم يرغبون بأن يتعلم الأطفال علوما بدلا من تلقينهم الأفكار السياسية، لقد قادني ذلك الى الاقتراح بأنه يجب على حكام الإمارات المتصالحة، بمشاركة مدير تربية الإمارات، تنسيق عمل البعثات التعليمية المختلفة، وتم إقناع الشيخ راشد بتعيين مدير لمديرية تعليم دبي كخطوة أولى، بعد أن اتصلت بالحكومة السودانية ثانية تمت الموافقة على إعارة التربوي المعروف “بانقا الأمين”، وبالرغم من خلقه انطباعا حسنا لدى العوائل الاماراتية، فإن المعلمين الأجانب اعتبروه تهديدا لهم وقاوموه. وهكذا وضع الشيخ راشد في إحراج تصاعدت حدته عندما أرسلت الحكومة المصرية وفدا خاصا لإقناعه بإلغاء الاتفاق مع الحكومة السودانية. لم يستطع “بانقا” مواصلة عمله وعاد الى السودان. إن السياسة فن الممكن، ولكن في هذه الحالة أثبتت نصيحتي التي قدمتها للشيخ راشد من أجل الصالح العام بأنها خطوة مستحيلة.. (52).
في الوقت ذاته ازدادت توقعات الثروة النفطية في أبوظبي أكبر الامارات في عام ،1959 وأصبح أكيدا بأن البترول سيتم إنتاجه تجاريا من البر والبحر، في عام ،1958 كانت أبوظبي إمارة فقيرة جدا حيث تدهور وضعها الاقتصادي منذ تدهور تجارة اللؤلؤ في السنوات السابقة. كانت معظم البيوت مبنية من سعف النخيل (برستي) وعانى الناس معاناة قاسية.
وللحديث صلة إن شاء الله.
الهوامش
(49) ليس هذا هو السبب في إقامة مطار دبي بل طموح الشيخ راشد ورغبته في أن يكون لدبي مطارها الخاص، ومر مشروع إنشاء المطار بمخاض وعسر لم يأت المستر هولي على ذكرهما.
(50) الذي بنى المطار القديم أو أول مطار مدني في دبي هي شركة الدرويش القطرية، وبنت هذه الشركة في الوقت نفسه مبنى البلدية الجديد عام 1964.
(51) لا أعرف من يقصد بالجزائري المناضل.
(52) رغم أن بانقا الأمين السوداني جاء به الانجليز لوضع مناهج لمؤسسات التعليم والتربية، كما كان الحال بالنسبة لبقية الموظفين من السودان، لكن القوس أعطيت لباريها بسبب ما
تأليف: دونالد هولي
ترجمة: عبدالغفار حسين
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
25-10-2004
إن تأليف كتاب، هو عمل فني راق يحتاج الى جهد فكري متوثب، مادته الثقافة والسير المتواصل في طريق اكتساب المعرفة، وعلينا في الإمارات، إذا أردنا ان نشارك في بناء حضارة، ان نحتفي بأي كاتب يخرج لنا كتاباً، أو يترجم لنا كتاباً من لغته الاصلية الى لغتنا العربية.. حتى ولو لم نتفق مع مضمون كتابه او لم نستسغه، لأن الكتاب عمل حضاري يضيء الدرب لمواكبة الحضارة والمشي نحوها. وفي التاريخ العربي الاسلامي نماذج من هذا الاحتفاء الذي لو أحيينا شيئاً مماثلاً له، لأحيينا سنة حضارية جميلة تثير الاعجاب.. لقد كان الخليفة العباسي، عبدالله المأمون، يعطي للكاتب او المترجم الذي ينقل كتاباً الى العربية، زنة الكتاب ذهباً، اي انه كان يضع الكتاب في كفة الميزان والذهب في الكفة الاخرى، أي ان المأمون كان يعتبر الكتاب أغلى من الذهب.. ولعمري، اية حضارة كانت تلك التي نعمنا بها يوماً وانقطعت بنا السبل عنها؟
في كشاكيل رمضاننا المبارك هذا، ومن بين مواضيع ثقافية إماراتية عامة، اقدم تعريفاً بكتب، كتبها مؤلفوها عن الإمارات وشؤونها في مواضيع مختلفة، من بينها فصول من كتاب قمت بترجمته لمؤلف عمل وعاش في الإمارات في الستينات من القرن الماضي، أبدأ به هذه الحلقات، ولعلي بهذا وبما استعرضه من مواضيع اقدم منفعة للقارئ العزيز.
لم تعرف دبي مياه الإسالة قبل عام ،1958 وكان السقاة يزودون المدينة بالماء على ظهور الحمير، ويعود فضل التجهيز الحديث للمدينة الى الشيخ أحمد بن علي آل ثاني حاكم قطر الذي تزوج الشيخة مريم بنت الشيخ راشد، استدعي مهندس الماء “إريك تلاك” الذي بقي في دبي حتى عام ،1999 ونصحتُ الشيخ راشد بأن الدائرة الهندسية في المجلس البلدي عليها أن تحتفظ منذ البداية بخرائط وسجلات مفصلة لمواقع الكابلات الرئيسية للكهرباء وكذلك أنابيب المياه وأسلاك الهاتف.
ولم يكن في دبي مطار في عام ،1958 وكان مطار الشارقة التي تبعد 12 ميلا هو المطار الوحيد الذي يخدم المنطقة مقدما تسهيلات لطائرات القوة الجوية الملكية والطائرات المدنية، وبسبب ضغط التجار الذين كانوا يمتعضون من دفع الضرائب للشارقة على ما يستوردونه من ذهب، أراد الشيخ أن يكون لدبي مطار حتى وإن كان لا يستقبل إلا الطائرات الصغيرة (49)، أشار التقرير البريطاني في البداية الى عدم وجود مكان ملائم قريب من دبي ولكن الشيخ راشد أجابني حينما أبلغته ذلك قائلا: “أطال الله عمرك، ولكن ما رأيك في المكان الذي كان يستخدمه سلاح الجو الملكي لهبوط طائراته أثناء الحرب؟”. إن هذا مكنني من إقناع الوكالة ووزارة الخارجية بأنه ليس في مقدورنا أو استطاعتنا أن نقف في طريقه ووقعنا اتفاقية الطيران المدني عام 1959 نيابة عن حكومة بلدنا الموقرة، ونجح الشيخ راشد في مناشدته لأن يكون المطار كبيرا مستوعبا لطائرات “الفيسكاونت”، وفازت شركة “كوستينز” بالتصميم وعقد إنشاء المطار والمدرج وافتتح في عام ،1960 وإنما سأبقى فخورا لاشتراكي في التنمية المبكرة بتلك المجالات لبلد نما وازدهر بشكل ملفت للنظر (50).
كان على المعلمين الحصول على تأشيرة دخول من الوكالة، وكانوا يحصلون عليها من دون تردد، وعندما زارني رؤساء بعثتهم طلبت منهم أن يلتزم المعلمون بالتدريس وعدم إشغال أنفسهم بالدعاية السياسية، وكانوا يوافقون بأدب على ذلك، ولكنهم لم يمنعوا تسلل السياسة الى المناهج التدريسية وبعض النشاطات الأخرى، فمثلا كان يسير طلبة كشافة المدرسة الذين دربهم المعلمون للعرض السنوي الذي كان استعراضا أكثر منه نشاطا رياضيا مرددين الشعارات خلف صورة للجزائري المناضل (51).
أخبرني وجهاء البلد بأنهم يرغبون بأن يتعلم الأطفال علوما بدلا من تلقينهم الأفكار السياسية، لقد قادني ذلك الى الاقتراح بأنه يجب على حكام الإمارات المتصالحة، بمشاركة مدير تربية الإمارات، تنسيق عمل البعثات التعليمية المختلفة، وتم إقناع الشيخ راشد بتعيين مدير لمديرية تعليم دبي كخطوة أولى، بعد أن اتصلت بالحكومة السودانية ثانية تمت الموافقة على إعارة التربوي المعروف “بانقا الأمين”، وبالرغم من خلقه انطباعا حسنا لدى العوائل الاماراتية، فإن المعلمين الأجانب اعتبروه تهديدا لهم وقاوموه. وهكذا وضع الشيخ راشد في إحراج تصاعدت حدته عندما أرسلت الحكومة المصرية وفدا خاصا لإقناعه بإلغاء الاتفاق مع الحكومة السودانية. لم يستطع “بانقا” مواصلة عمله وعاد الى السودان. إن السياسة فن الممكن، ولكن في هذه الحالة أثبتت نصيحتي التي قدمتها للشيخ راشد من أجل الصالح العام بأنها خطوة مستحيلة.. (52).
في الوقت ذاته ازدادت توقعات الثروة النفطية في أبوظبي أكبر الامارات في عام ،1959 وأصبح أكيدا بأن البترول سيتم إنتاجه تجاريا من البر والبحر، في عام ،1958 كانت أبوظبي إمارة فقيرة جدا حيث تدهور وضعها الاقتصادي منذ تدهور تجارة اللؤلؤ في السنوات السابقة. كانت معظم البيوت مبنية من سعف النخيل (برستي) وعانى الناس معاناة قاسية.
وللحديث صلة إن شاء الله.
الهوامش
(49) ليس هذا هو السبب في إقامة مطار دبي بل طموح الشيخ راشد ورغبته في أن يكون لدبي مطارها الخاص، ومر مشروع إنشاء المطار بمخاض وعسر لم يأت المستر هولي على ذكرهما.
(50) الذي بنى المطار القديم أو أول مطار مدني في دبي هي شركة الدرويش القطرية، وبنت هذه الشركة في الوقت نفسه مبنى البلدية الجديد عام 1964.
(51) لا أعرف من يقصد بالجزائري المناضل.
(52) رغم أن بانقا الأمين السوداني جاء به الانجليز لوضع مناهج لمؤسسات التعليم والتربية، كما كان الحال بالنسبة لبقية الموظفين من السودان، لكن القوس أعطيت لباريها بسبب ما
تأليف: دونالد هولي
ترجمة: عبدالغفار حسين
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
25-10-2004