أبوعبدالعزيز
10-26-04, 05:06 PM
أصدرها أديب عراقي مطلع الخمسينات من القرن الماضي
بعد محاولات شاقة ومجهود مضنٍ تمكن الشاب العراقي الأرمني “كارنيك جورج ميناسيان” من بدء نشر كتاباته الأدبية الكثيرة وقصصه القصيرة في صحف بغداد والبصرة، وشجعه هذا النجاح في نهاية الأربعينات على تحقيق أمنيته في احتراف الأدب. لكن بعد خمس سنوات من النجاح الأدبي وجد أن طموحاته قد كبرت وصارت تسبب له الكثير من الإحباط بسبب عدم تحقيقها. وبوصول الشاب “كارنيك” إلى بداية عام ،1952 يعترف بأن تلك الصحف التي كان يمدها بكتاباته ومقالاته كانت لا تفي بحاجته إلى النشر ولا بحاجته إلى المال! ومع هذا الاعتراف يبدأ “كارنيك” بالتفكير الطويل لتحقيق تلك الطموحات التي تكاثرت بأن يصبح أديباً معروفاً وصحافياً لامعاً ويمتلك من المال ما يجعله
لا يحتاج إلى صحيفة ما أو أحد. وفي زحمة الأفكار تصله رسالة غير متوقعة من ابن عمه في البحرين حملت له مفاجأة لم تكن في الحسبان. في الواقع كان “كارنيك” وقتها بطموحاته وأفكاره الكثيرة بحاجة ماسة إلى المفاجآت مهما كانت قليلة. كان عرض ابن عمه هو أن يأتي “كارنيك” إلى البحرين ويعمل معه في شركته الخاصة بالمقاولات وبراتب مغرٍ. ولم تكن المفاجأة في العمل ولا في البحرين ولا في الرسالة، بل كانت المفاجأة آنذاك في قبول ذلك الأديب الشاب العرض والدخول في مغامرة جديدة كان في أشد الحاجة إليها. فبعد تفكير لم يطل بضع ساعات وجد نفسه يحزم حقائبه المملوءة بالكتب الأدبية ويبحث عن أول طائرة تذهب إلى “البحرين” تلك البلاد التي لم يسمع عنها كثيراً.
في المنامة يجد أن “واجب” العمل مع ابن عمه ولو لأشهر قليلة على الأقل فيه الكثير من الراحة لابن عمه الذي كان فرحاً جداً بوصوله، وربما لرد الجميل لمساعدته له في الوصول والإقامة في البحرين.
وبعد تلك الشهور يبدأ الأديب العراقي أولى محاولاته لتحقيق طموحه وحلمه الكبير في إنشاء صحيفة أدبية يكون صاحبها ورئيس تحريرها.
وبهمة كبيرة وبقليل من الأموال التي استطاع جمع بعضها وتدبير بعضها الآخر يتفق مع مطبعة المؤيد في المنامة التي كانت المطبعة الحديثة الوحيدة في البحرين على طباعة جريدته أسبوعياً.
وبالرغم من الظروف الطباعية الصعبة في البحرين، وتواضع مطبعة المؤيد التي كان يجري جمع الحروف فيها باليد، واستغراق إنجاز المقال الصغير الواحد أكثر من أربع ساعات، إلا أن “كارنيك” لا يجد بديلاً أو مخرجاً آخر.
وكانت مشكلة الطباعة تهون كثيراً أمام التحدي الخطير الذي وجده الأديب العراقي في البحرين وهو توقيت صدور جريدته الثقافية. فوقتها كانت ثورة يوليو المصرية في بداية عنفوانها، وفي تلك الفترة راح يتردد اسم الزعيم العروبي “عبدالناصر” كثيراً في الخليج. وانقلبت كما هو معروف كل المعادلات السياسية، وراحت ثورة يوليو تجد صداها العربي الواضح. وكانت منطقة الخليج والبحرين بالذات إحداها، فانتشرت تعابير “البطولة القومية” و”الثورة” ومعناها في إسقاط “الملك فاروق” وإنهاء الإقطاع و”دور الشعوب” وغيرها من الأفكار التي ألهبت مشاعر الناس. كما كان “عبدالناصر” نمطاً جديداً في السياسة العربية برز للناس في تحدي الاستعمار والعزة والكرامة القومية وفي حب الشعب.
وكان أهالي البحرين في تلك الفترة يتابعون أخبار ثورة يوليو وآخر أخبار عبدالناصر في الإذاعات مهما كان لونها، وفي جميع الصحف مهما كان شكلها. فالمهم كان بالنسبة لهم أن يعرفوا ما الذي تقوم به ثورة يوليو وقائدها عبدالناصر.
ولذلك كان إصدار صحيفة أدبية فنية لا تهتم بآخر أخبار عبدالناصر وثورته القومية وفي وسط جو سياسي وشعبي ملتهب في البحرين نوعاً كبيراً من المغامرة كان “كارنيك” يشعر به في قناعاته الداخلية.
وبجانب “التوقيت السيئ” والطباعة المتواضعة كان إصدار جريدة أدبية وثقافية في بلد صغير مثل البحرين كان يشبه “الانتحار”. فلم تكن في البلاد أية جرائد أو مجلات أسبوعية، بل لم تكن فيها أصلاً سوى مجلة سياسية شهرية ناجحة هي “صوت البحرين” ولذلك كان إصرار “كارنيك” على صدور جريدة أسبوعية أدبية تحدياً للمغامرة نفسها.
الخميلة
بعد استعدادات طويلة فوجىء رواد سوق المنامة في صباح اليوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1952 ببائع صحف يصرخ بأعلى صوته “الخميلة”.. اقرأ “الخميلة”.. جريدة جديدة.
ولم يكن البائع يدري ولا حتى الأديب العراقي نفسه ربما لأن صدور “الخميلة” كان يعني صدور أول جريدة ثقافية في البحرين ومنطقة الخليج العربي (باستثناء العراق).
وجاء في تعريف الجريدة: “الخميلة.. جريدة أدبية فنية جامعة.. صاحبها ورئيس تحريرها كارنيك جورج ميناسيان.. تصدر في البحرين كل أسبوع” والثمن ست آنات.. تلفون الخميلة هو: الإدارة: 577 المسكن 578.
وفي الصفحة الأولى من الخميلة كتب رئيس التحرير افتتاحيتها قائلاً: “لم أستطع إصدار الصحيفة قبل هذا الوقت وقبل مجيئي إلى هنا. لأن هناك ظروفاً خاصة كانت تحتم عليّ ترك وطني الأول “العراق” لذا لم يقدر لخميلتي الصدور إلا هنا في البحرين. لا بأس في هذا، لأن البحرين هو وطني أيضاً. فالبلاد العربية ما هي في الواقع إلا وطن واحد لا فرق فيما بينها ولا اختلاف”.
“إنني واثق بالنجاح.. واثق بوجود شبيبة ناهضة في البحرين تتذوق الأدب وتهفو إلى المعرفة، كما أن البلدة بحاجة إلى صحافة محلية تمثلها وتجمع شملها. وتكون منبراً للقلوب الحساسة والأفكار النيرة. إضافة إلى أن المشتغلين بأمور أخرى.. بالتجارة مثلاً لا يرفضون قضاء ساعة في تتبع الأخبار، وفي التلذذ بمطالعة القصص والشعر، وسائر أنواع الفنون.
فحياة الإنسان مهما تغيرت ظروف الإنسان بحاجة إلى زاد للفكر، فليس يكفي الشخص أن يشبع بطنه ويترك فكره خاوياً. فهو يهفو إلى إشباع فكره ونفسه ومشاعره كلها فإن الفنون على اختلاف أنواعها من اللوازم الأساسية في حياة الفرد لا يمكن أن يستغني عنها. قديماً قال الكاتب الفرنسي “البيركامو” في إحدى مسرحياته على لسان أحد أبطاله “إن طريق الحياة وعر شاق بغير معونة الدين والفن والحب” فإن هذه الأمور الأساسية الجوهرية هي التي تجعل للحياة معنى أعمق، وفكرة أقوى وأملاً أسمى، وإلا فإن حياتنا تغدو خالية قاحلة بعيدة عن مرامي الحياة الحقة وعن معانيها الثابتة السرمدية”.
وينهي افتتاحيته بالقول: “فيا أيها القارىء الكريم، إليك خميلتي هذه التي غذيتها بأحلامي وآمالي مدة طويلة لعلك تجد في ظلالها ثمار الفكر التي ترتاح إليها أو ترضى بها وليس هنالك شيء أولى من راحتك ورضاك”.
وفي الصفحة الأولى نفسها التي احتلت الافتتاحية حوالي نصفها نجد صورة كبيرة للمغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين آنذاك.
وتحت الصورة موضوع صغير عن الكاتب الإنجليزي “برناردشو” بعنوان “من البارع”؟ وفي ذيل الصفحة “محراب الشعر” قصيدة “نهاية قبلة”.
وفي صفحة “الخميلة” الثالثة، التي يبدو أن “كارنيك” خصصها للسينما كتب عن بعض نجوم السينما العربية، فهو يقول مثلاً عن “كوكا”: “لعل السيدة كوكا هي أعقل الممثلات المصريات وأكثرهن اتزاناً واحتراماً لنفسها، فقد تزوجت المخرج نيازي مصطفى وهي لم تزل جديدة على الشاشة البيضاء، فظهرت في أفلام نيازي البطلة الأولى، فنالت شهرة واسعة في فيلم عنترة وعبلة. ويعود الفضل في ذلك إلى جمالها الذي يذكرك بجمال نساء العرب القديمات، وهي مع ذلك مع ما نالت من مجد وشهرة بقيت إلى جانب زوجها مخلصة له متفانية في حبه”.
أما نجوم السينما العالمية فيكتب عن “ريتا هايورات” مثلاً، ويقول: “حدث أن شاهدها أحد المخرجين وهي ترقص ذات ليلة، فلاحظ فيها جاذبية لا تقاوم، كما لاحظ أن لها ابتسامة لا نظير لها في باقي وجوه السينما. لقد أدرك ذاك المخرج أنه أمام امرأة تستطيع أن تبني لها مجداً على الستار الأبيض. فنجحت نجاحاً ساحقاً وأصبحت بالتالي حديث العالم”!
وفي الصفحة الأخيرة التي اختارها “كارنيك” لتكون باباً للحوادث والأخبار المتنوعة نقرأ مثلاً: “غادر البحرين فخامة المقيم السياسي في الخليج أمس أول قاصداً الكويت”. وخبر آخر: “أقيم في النادي الأهلي اجتماع ضم كافة أعضائه وذلك لمناقشة قانون النادي الجديد”. وفي الأخبار العربية نجد: “استطاع موظف البريد في صنعاء المدعو علي بن حسن موسى تحويل راديو عادي إلى جهاز للإرسال”.
ويلاقي صدور العدد الأول من “الخميلة” والأعداد الأولى التي تلتها نجاحاً كبيراً في البحرين، وتجد الجريدة الثقافية تجاوباً وانتشاراً لم يتوقعهما حتى صاحبها نفسه.
ومع صدور الجريدة بانتظام واقبال البحرينيين على قراءتها لحاجتهم إلى ذلك النوع من الصحف حيث كانت البحرين بلداً تكثر فيه الأندية والتجمعات وتقل فيه الصحف. فوقتها لم يكن في البلاد سوى جريدة “القافلة” تصدر كل أسبوعين مرة واحدة وهي جريدة سياسية قومية معارضة ومجلة “صوت البحرين” مجلة سياسية وثقافية شهرية.
ولم تسهم “الخميلة” في انعاش السوق الصحافي وتلبية حاجات القراء لصحف جديدة ومنوعة فقط، بل انعشت الحركة الثقافية وساهمت ولو بشكل غير مباشر في زيادة حركته وتنشيط فعاليته. فتابعت الجريدة الحركة الثقافية والفنية في البحرين وأبرزت أخبار أنشطتها في الأندية والمدارس والتجمعات ورعت أولى التجمعات الفنية مثل “ندوة الأدب والفن” التي تأسست في شهر مارس/ آذار من عام 1952 وغيرها.
وعلاوة على الثقافة والفن تسهم “الخميلة” في مناصرة التقدم الاجتماعي وتنشط في الدفاع عن المرأة وحقوقها.
وتقدم صفحة خاصة للمرأة بعنوان “صوت المرأة” ناقشت فيها قضايا غلاء المهور واضطهاد المرأة وغيرها.
وفي العدد الثالث عشر في اليوم التاسع من شهر يناير/ كانون الثاني من عام 1953 تكتب “الأديبة الآنسة لطيفة” مقالاً طويلاً حول “فتور حب الرجل” تقول فيه: “يشكو كثير من سيداتنا فتور حب الرجل بعد مرحلة قصيرة من الزواج ويكون ذلك سبباً في نكد دائم وألم مستمر ومنبع شقاق يتجدد في كل لحظة يقضي على هناء العائلة وسعادتها. وكم أود أن تنظر سيداتنا إلى الموضوع نظرة جدية ويبحثنه بحثاً مستفيضاً حتى يتداركن بأنفسهن هذا الوباء الذي عمت الشكوى منه وتصاعدت من كلا الطرفين أنفاس حارة دون معرفة العلاج الدائم لتلك الحالة.
وكم تساعدنا السيدة في القضاء على ذلك الفتور إذا نبهت في الرجل حب الحياة الزوجية بطريق خاص بها تستطيع أن تقدم عليه بلطفها المعهود ودعتها المعروفة. فحافظي أيتها السيدة على ذلك الحب الذي تشعرين به في أول عهدك في الزواج ومكني تلك العاطفة في قلب زوجك واجعليه يشعر دائماً بالغبطة التي يجدها بالقرب منك. وإنني أظن أن بعض ذلك الفتور يرجع إلى حياتنا المنزلية حيث تهملها السيدة إهمالاً تاماً ولا تلتفت لشيء سوى تجملها بالملابس الغالية وتفرغها للزيارات اليومية دون أن تلاحظ الخدم وتعتني بإدارة المنزل وتدبيره فملاحظة الطباخ في طهو الطعام ومراقبته في تهيئته وإعداده يسر زوجك سروراً كبيراً حين يستلذ بمأكله ومشروبه بعد تعب طويل شاق خارج المنزل”.
القافلة
ساهم صدور جريدة “القافلة” بعد “الخميلة” بشهر واحد تقريباً في خلق منافسة قوية في شارع الصحافة، اضطرت معه “الخميلة” إلى عدم الاكتفاء بالكتابات الأدبية والفنية والاجتماعية، وإعطاء المقالات السياسية والآراء القومية والتحررية حيزاً كبيراً وخاصة في الصفحة الأولى. وتصدى لتلك المهمة كاتبان بارزان من البحرين هما “يوسف زباري” و”عبدالله الوزان”، الذي أصدر فيما بعد جريدة “الميزان”، تبرز مقالات حول الاستعمار والقومية وادعاءات إيران في البحرين ووحشية الفرنسيين في المغرب وغيرها.
وبجانب تجاوب القراء الكبير مع “الخميلة” تدخل الجريدة في سباق مع زميلتها الوحيدة “القافلة” في نشر الأخبار والتقارير عن أوضاع البلاد والشركات الأجنبية ولكنها تواجه بحذف الرقابة لها وترك مساحات بيضاء في الجريدة كما كانت تفعل السلطات الاستعمارية في البحرين آنذاك.
وتكتب الخميلة مثلاً تقريراً عن زيارة البعثة العسكرية المصرية إلى البحرين في عدد اليوم السادس من شهر فبراير/ شباط من عام 1953 جاء منه: زارت البحرين البعثة العسكرية المصرية المسافرة إلى باكستان.
وتتألف البعثة المذكورة من ستة عشر ضابطاً يرأسهم سعادة اللواء محمد إبراهيم رئيس أركان هيئة أركان حرب الجيش المصري.
وقد تفضلوا بزيارة النادي الأهلي حيث قضوا فترة من الزمن واستمعوا إلى بعض الخطب التي عبرت لهم عن مقدار ما يكنه العربي لأخيه العربي من مودة وتقدير.
لقد قال لنا أحد الضيوف الأفاضل حين تعالى الهتاف والتصفيق على أثر تشريف سعادة اللواء “إنكم تحبون المصريين جداً” فأجبناه: وكيف لا يحب الإنسان أخاً له إن مصر قد رفعت سمعتها ليس هنا فقط، بل في سائر أنحاء العالم بهذه الوثبة الجبارة التي وثبها الأسد المصري محمد نجيب..” وقد تشرفنا بالجلوس إلى سعادة اللواء وقال رداً على سؤال وجهناه إليه إننا سنسافر بدعوة خاصة من حكومة باكستان وسنبقى هناك مدة أسبوعين ثم نعود رأساً إلى القاهرة وحين سألناه عن شعوره تجاه هذه الجزيرة الصغيرة قال “أحسست كأنني قابلت صديقاً لم أكن انتظره”.
ورغم “اضطرار” الأديب والصحافي العراقي “كارنيك ميناسيان” إلى مجاراة الأوضاع السياسية المتلهبة في البحرين والمملوءة بالحماس لثورة يوليو وقائدها جمال عبدالناصر وزيادة مساحة المقالات والكتابات والأخبار السياسية على حساب الصفحات والكتابات الأدبية والفنية، فإن الانتقادات الكثيرة التي راحت توجه إلى “كارنيك” لم تتوقف مع سنة “الخميلة” الثانية.
فتواجه الجريدة بانتقادات عنيفة في أنها لم تحدد موقفاً واضحاً من ثورة يوليو ولم تعلن تأييدها صراحة للثورة وزعمائها، كما إنها تفضل الأدب والفن على مهاجمة الاستعمار ونشر أخبار ثورة يوليو!
رفع “الخواجة جورج” كما كان يسميه بعض البحرينيين آنذاك في بداية عام 1954 الراية البيضاء أمام عبدالناصر معلناً نهاية تجربة أول صحيفة ثقافية في البحرين والمنطقة.
وبتوقف الجريدة الثقافية كان الإعلان الصغير الذي يقول:
“اقرأ كل أسبوع.. جريدتك المفضلة “الخميلة” التي توافيك بآخر أنباء البحرين والخليج العربي.. وتعالج جميع النواحي الأدبية والاجتماعية والفنية.. صاحبها ورئيس تحريرها كارنيك جورج.. تلفون 577.. ص.ب 226” قد انتهى إلى الأبد!
ومع تلك النهاية، كانت صحف البحرين تنتظرها بعد شهور قليلة نهايات أكثرها مأساوية في منتصف الخمسينات!
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
26-10-2004
بعد محاولات شاقة ومجهود مضنٍ تمكن الشاب العراقي الأرمني “كارنيك جورج ميناسيان” من بدء نشر كتاباته الأدبية الكثيرة وقصصه القصيرة في صحف بغداد والبصرة، وشجعه هذا النجاح في نهاية الأربعينات على تحقيق أمنيته في احتراف الأدب. لكن بعد خمس سنوات من النجاح الأدبي وجد أن طموحاته قد كبرت وصارت تسبب له الكثير من الإحباط بسبب عدم تحقيقها. وبوصول الشاب “كارنيك” إلى بداية عام ،1952 يعترف بأن تلك الصحف التي كان يمدها بكتاباته ومقالاته كانت لا تفي بحاجته إلى النشر ولا بحاجته إلى المال! ومع هذا الاعتراف يبدأ “كارنيك” بالتفكير الطويل لتحقيق تلك الطموحات التي تكاثرت بأن يصبح أديباً معروفاً وصحافياً لامعاً ويمتلك من المال ما يجعله
لا يحتاج إلى صحيفة ما أو أحد. وفي زحمة الأفكار تصله رسالة غير متوقعة من ابن عمه في البحرين حملت له مفاجأة لم تكن في الحسبان. في الواقع كان “كارنيك” وقتها بطموحاته وأفكاره الكثيرة بحاجة ماسة إلى المفاجآت مهما كانت قليلة. كان عرض ابن عمه هو أن يأتي “كارنيك” إلى البحرين ويعمل معه في شركته الخاصة بالمقاولات وبراتب مغرٍ. ولم تكن المفاجأة في العمل ولا في البحرين ولا في الرسالة، بل كانت المفاجأة آنذاك في قبول ذلك الأديب الشاب العرض والدخول في مغامرة جديدة كان في أشد الحاجة إليها. فبعد تفكير لم يطل بضع ساعات وجد نفسه يحزم حقائبه المملوءة بالكتب الأدبية ويبحث عن أول طائرة تذهب إلى “البحرين” تلك البلاد التي لم يسمع عنها كثيراً.
في المنامة يجد أن “واجب” العمل مع ابن عمه ولو لأشهر قليلة على الأقل فيه الكثير من الراحة لابن عمه الذي كان فرحاً جداً بوصوله، وربما لرد الجميل لمساعدته له في الوصول والإقامة في البحرين.
وبعد تلك الشهور يبدأ الأديب العراقي أولى محاولاته لتحقيق طموحه وحلمه الكبير في إنشاء صحيفة أدبية يكون صاحبها ورئيس تحريرها.
وبهمة كبيرة وبقليل من الأموال التي استطاع جمع بعضها وتدبير بعضها الآخر يتفق مع مطبعة المؤيد في المنامة التي كانت المطبعة الحديثة الوحيدة في البحرين على طباعة جريدته أسبوعياً.
وبالرغم من الظروف الطباعية الصعبة في البحرين، وتواضع مطبعة المؤيد التي كان يجري جمع الحروف فيها باليد، واستغراق إنجاز المقال الصغير الواحد أكثر من أربع ساعات، إلا أن “كارنيك” لا يجد بديلاً أو مخرجاً آخر.
وكانت مشكلة الطباعة تهون كثيراً أمام التحدي الخطير الذي وجده الأديب العراقي في البحرين وهو توقيت صدور جريدته الثقافية. فوقتها كانت ثورة يوليو المصرية في بداية عنفوانها، وفي تلك الفترة راح يتردد اسم الزعيم العروبي “عبدالناصر” كثيراً في الخليج. وانقلبت كما هو معروف كل المعادلات السياسية، وراحت ثورة يوليو تجد صداها العربي الواضح. وكانت منطقة الخليج والبحرين بالذات إحداها، فانتشرت تعابير “البطولة القومية” و”الثورة” ومعناها في إسقاط “الملك فاروق” وإنهاء الإقطاع و”دور الشعوب” وغيرها من الأفكار التي ألهبت مشاعر الناس. كما كان “عبدالناصر” نمطاً جديداً في السياسة العربية برز للناس في تحدي الاستعمار والعزة والكرامة القومية وفي حب الشعب.
وكان أهالي البحرين في تلك الفترة يتابعون أخبار ثورة يوليو وآخر أخبار عبدالناصر في الإذاعات مهما كان لونها، وفي جميع الصحف مهما كان شكلها. فالمهم كان بالنسبة لهم أن يعرفوا ما الذي تقوم به ثورة يوليو وقائدها عبدالناصر.
ولذلك كان إصدار صحيفة أدبية فنية لا تهتم بآخر أخبار عبدالناصر وثورته القومية وفي وسط جو سياسي وشعبي ملتهب في البحرين نوعاً كبيراً من المغامرة كان “كارنيك” يشعر به في قناعاته الداخلية.
وبجانب “التوقيت السيئ” والطباعة المتواضعة كان إصدار جريدة أدبية وثقافية في بلد صغير مثل البحرين كان يشبه “الانتحار”. فلم تكن في البلاد أية جرائد أو مجلات أسبوعية، بل لم تكن فيها أصلاً سوى مجلة سياسية شهرية ناجحة هي “صوت البحرين” ولذلك كان إصرار “كارنيك” على صدور جريدة أسبوعية أدبية تحدياً للمغامرة نفسها.
الخميلة
بعد استعدادات طويلة فوجىء رواد سوق المنامة في صباح اليوم التاسع والعشرين من شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1952 ببائع صحف يصرخ بأعلى صوته “الخميلة”.. اقرأ “الخميلة”.. جريدة جديدة.
ولم يكن البائع يدري ولا حتى الأديب العراقي نفسه ربما لأن صدور “الخميلة” كان يعني صدور أول جريدة ثقافية في البحرين ومنطقة الخليج العربي (باستثناء العراق).
وجاء في تعريف الجريدة: “الخميلة.. جريدة أدبية فنية جامعة.. صاحبها ورئيس تحريرها كارنيك جورج ميناسيان.. تصدر في البحرين كل أسبوع” والثمن ست آنات.. تلفون الخميلة هو: الإدارة: 577 المسكن 578.
وفي الصفحة الأولى من الخميلة كتب رئيس التحرير افتتاحيتها قائلاً: “لم أستطع إصدار الصحيفة قبل هذا الوقت وقبل مجيئي إلى هنا. لأن هناك ظروفاً خاصة كانت تحتم عليّ ترك وطني الأول “العراق” لذا لم يقدر لخميلتي الصدور إلا هنا في البحرين. لا بأس في هذا، لأن البحرين هو وطني أيضاً. فالبلاد العربية ما هي في الواقع إلا وطن واحد لا فرق فيما بينها ولا اختلاف”.
“إنني واثق بالنجاح.. واثق بوجود شبيبة ناهضة في البحرين تتذوق الأدب وتهفو إلى المعرفة، كما أن البلدة بحاجة إلى صحافة محلية تمثلها وتجمع شملها. وتكون منبراً للقلوب الحساسة والأفكار النيرة. إضافة إلى أن المشتغلين بأمور أخرى.. بالتجارة مثلاً لا يرفضون قضاء ساعة في تتبع الأخبار، وفي التلذذ بمطالعة القصص والشعر، وسائر أنواع الفنون.
فحياة الإنسان مهما تغيرت ظروف الإنسان بحاجة إلى زاد للفكر، فليس يكفي الشخص أن يشبع بطنه ويترك فكره خاوياً. فهو يهفو إلى إشباع فكره ونفسه ومشاعره كلها فإن الفنون على اختلاف أنواعها من اللوازم الأساسية في حياة الفرد لا يمكن أن يستغني عنها. قديماً قال الكاتب الفرنسي “البيركامو” في إحدى مسرحياته على لسان أحد أبطاله “إن طريق الحياة وعر شاق بغير معونة الدين والفن والحب” فإن هذه الأمور الأساسية الجوهرية هي التي تجعل للحياة معنى أعمق، وفكرة أقوى وأملاً أسمى، وإلا فإن حياتنا تغدو خالية قاحلة بعيدة عن مرامي الحياة الحقة وعن معانيها الثابتة السرمدية”.
وينهي افتتاحيته بالقول: “فيا أيها القارىء الكريم، إليك خميلتي هذه التي غذيتها بأحلامي وآمالي مدة طويلة لعلك تجد في ظلالها ثمار الفكر التي ترتاح إليها أو ترضى بها وليس هنالك شيء أولى من راحتك ورضاك”.
وفي الصفحة الأولى نفسها التي احتلت الافتتاحية حوالي نصفها نجد صورة كبيرة للمغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين آنذاك.
وتحت الصورة موضوع صغير عن الكاتب الإنجليزي “برناردشو” بعنوان “من البارع”؟ وفي ذيل الصفحة “محراب الشعر” قصيدة “نهاية قبلة”.
وفي صفحة “الخميلة” الثالثة، التي يبدو أن “كارنيك” خصصها للسينما كتب عن بعض نجوم السينما العربية، فهو يقول مثلاً عن “كوكا”: “لعل السيدة كوكا هي أعقل الممثلات المصريات وأكثرهن اتزاناً واحتراماً لنفسها، فقد تزوجت المخرج نيازي مصطفى وهي لم تزل جديدة على الشاشة البيضاء، فظهرت في أفلام نيازي البطلة الأولى، فنالت شهرة واسعة في فيلم عنترة وعبلة. ويعود الفضل في ذلك إلى جمالها الذي يذكرك بجمال نساء العرب القديمات، وهي مع ذلك مع ما نالت من مجد وشهرة بقيت إلى جانب زوجها مخلصة له متفانية في حبه”.
أما نجوم السينما العالمية فيكتب عن “ريتا هايورات” مثلاً، ويقول: “حدث أن شاهدها أحد المخرجين وهي ترقص ذات ليلة، فلاحظ فيها جاذبية لا تقاوم، كما لاحظ أن لها ابتسامة لا نظير لها في باقي وجوه السينما. لقد أدرك ذاك المخرج أنه أمام امرأة تستطيع أن تبني لها مجداً على الستار الأبيض. فنجحت نجاحاً ساحقاً وأصبحت بالتالي حديث العالم”!
وفي الصفحة الأخيرة التي اختارها “كارنيك” لتكون باباً للحوادث والأخبار المتنوعة نقرأ مثلاً: “غادر البحرين فخامة المقيم السياسي في الخليج أمس أول قاصداً الكويت”. وخبر آخر: “أقيم في النادي الأهلي اجتماع ضم كافة أعضائه وذلك لمناقشة قانون النادي الجديد”. وفي الأخبار العربية نجد: “استطاع موظف البريد في صنعاء المدعو علي بن حسن موسى تحويل راديو عادي إلى جهاز للإرسال”.
ويلاقي صدور العدد الأول من “الخميلة” والأعداد الأولى التي تلتها نجاحاً كبيراً في البحرين، وتجد الجريدة الثقافية تجاوباً وانتشاراً لم يتوقعهما حتى صاحبها نفسه.
ومع صدور الجريدة بانتظام واقبال البحرينيين على قراءتها لحاجتهم إلى ذلك النوع من الصحف حيث كانت البحرين بلداً تكثر فيه الأندية والتجمعات وتقل فيه الصحف. فوقتها لم يكن في البلاد سوى جريدة “القافلة” تصدر كل أسبوعين مرة واحدة وهي جريدة سياسية قومية معارضة ومجلة “صوت البحرين” مجلة سياسية وثقافية شهرية.
ولم تسهم “الخميلة” في انعاش السوق الصحافي وتلبية حاجات القراء لصحف جديدة ومنوعة فقط، بل انعشت الحركة الثقافية وساهمت ولو بشكل غير مباشر في زيادة حركته وتنشيط فعاليته. فتابعت الجريدة الحركة الثقافية والفنية في البحرين وأبرزت أخبار أنشطتها في الأندية والمدارس والتجمعات ورعت أولى التجمعات الفنية مثل “ندوة الأدب والفن” التي تأسست في شهر مارس/ آذار من عام 1952 وغيرها.
وعلاوة على الثقافة والفن تسهم “الخميلة” في مناصرة التقدم الاجتماعي وتنشط في الدفاع عن المرأة وحقوقها.
وتقدم صفحة خاصة للمرأة بعنوان “صوت المرأة” ناقشت فيها قضايا غلاء المهور واضطهاد المرأة وغيرها.
وفي العدد الثالث عشر في اليوم التاسع من شهر يناير/ كانون الثاني من عام 1953 تكتب “الأديبة الآنسة لطيفة” مقالاً طويلاً حول “فتور حب الرجل” تقول فيه: “يشكو كثير من سيداتنا فتور حب الرجل بعد مرحلة قصيرة من الزواج ويكون ذلك سبباً في نكد دائم وألم مستمر ومنبع شقاق يتجدد في كل لحظة يقضي على هناء العائلة وسعادتها. وكم أود أن تنظر سيداتنا إلى الموضوع نظرة جدية ويبحثنه بحثاً مستفيضاً حتى يتداركن بأنفسهن هذا الوباء الذي عمت الشكوى منه وتصاعدت من كلا الطرفين أنفاس حارة دون معرفة العلاج الدائم لتلك الحالة.
وكم تساعدنا السيدة في القضاء على ذلك الفتور إذا نبهت في الرجل حب الحياة الزوجية بطريق خاص بها تستطيع أن تقدم عليه بلطفها المعهود ودعتها المعروفة. فحافظي أيتها السيدة على ذلك الحب الذي تشعرين به في أول عهدك في الزواج ومكني تلك العاطفة في قلب زوجك واجعليه يشعر دائماً بالغبطة التي يجدها بالقرب منك. وإنني أظن أن بعض ذلك الفتور يرجع إلى حياتنا المنزلية حيث تهملها السيدة إهمالاً تاماً ولا تلتفت لشيء سوى تجملها بالملابس الغالية وتفرغها للزيارات اليومية دون أن تلاحظ الخدم وتعتني بإدارة المنزل وتدبيره فملاحظة الطباخ في طهو الطعام ومراقبته في تهيئته وإعداده يسر زوجك سروراً كبيراً حين يستلذ بمأكله ومشروبه بعد تعب طويل شاق خارج المنزل”.
القافلة
ساهم صدور جريدة “القافلة” بعد “الخميلة” بشهر واحد تقريباً في خلق منافسة قوية في شارع الصحافة، اضطرت معه “الخميلة” إلى عدم الاكتفاء بالكتابات الأدبية والفنية والاجتماعية، وإعطاء المقالات السياسية والآراء القومية والتحررية حيزاً كبيراً وخاصة في الصفحة الأولى. وتصدى لتلك المهمة كاتبان بارزان من البحرين هما “يوسف زباري” و”عبدالله الوزان”، الذي أصدر فيما بعد جريدة “الميزان”، تبرز مقالات حول الاستعمار والقومية وادعاءات إيران في البحرين ووحشية الفرنسيين في المغرب وغيرها.
وبجانب تجاوب القراء الكبير مع “الخميلة” تدخل الجريدة في سباق مع زميلتها الوحيدة “القافلة” في نشر الأخبار والتقارير عن أوضاع البلاد والشركات الأجنبية ولكنها تواجه بحذف الرقابة لها وترك مساحات بيضاء في الجريدة كما كانت تفعل السلطات الاستعمارية في البحرين آنذاك.
وتكتب الخميلة مثلاً تقريراً عن زيارة البعثة العسكرية المصرية إلى البحرين في عدد اليوم السادس من شهر فبراير/ شباط من عام 1953 جاء منه: زارت البحرين البعثة العسكرية المصرية المسافرة إلى باكستان.
وتتألف البعثة المذكورة من ستة عشر ضابطاً يرأسهم سعادة اللواء محمد إبراهيم رئيس أركان هيئة أركان حرب الجيش المصري.
وقد تفضلوا بزيارة النادي الأهلي حيث قضوا فترة من الزمن واستمعوا إلى بعض الخطب التي عبرت لهم عن مقدار ما يكنه العربي لأخيه العربي من مودة وتقدير.
لقد قال لنا أحد الضيوف الأفاضل حين تعالى الهتاف والتصفيق على أثر تشريف سعادة اللواء “إنكم تحبون المصريين جداً” فأجبناه: وكيف لا يحب الإنسان أخاً له إن مصر قد رفعت سمعتها ليس هنا فقط، بل في سائر أنحاء العالم بهذه الوثبة الجبارة التي وثبها الأسد المصري محمد نجيب..” وقد تشرفنا بالجلوس إلى سعادة اللواء وقال رداً على سؤال وجهناه إليه إننا سنسافر بدعوة خاصة من حكومة باكستان وسنبقى هناك مدة أسبوعين ثم نعود رأساً إلى القاهرة وحين سألناه عن شعوره تجاه هذه الجزيرة الصغيرة قال “أحسست كأنني قابلت صديقاً لم أكن انتظره”.
ورغم “اضطرار” الأديب والصحافي العراقي “كارنيك ميناسيان” إلى مجاراة الأوضاع السياسية المتلهبة في البحرين والمملوءة بالحماس لثورة يوليو وقائدها جمال عبدالناصر وزيادة مساحة المقالات والكتابات والأخبار السياسية على حساب الصفحات والكتابات الأدبية والفنية، فإن الانتقادات الكثيرة التي راحت توجه إلى “كارنيك” لم تتوقف مع سنة “الخميلة” الثانية.
فتواجه الجريدة بانتقادات عنيفة في أنها لم تحدد موقفاً واضحاً من ثورة يوليو ولم تعلن تأييدها صراحة للثورة وزعمائها، كما إنها تفضل الأدب والفن على مهاجمة الاستعمار ونشر أخبار ثورة يوليو!
رفع “الخواجة جورج” كما كان يسميه بعض البحرينيين آنذاك في بداية عام 1954 الراية البيضاء أمام عبدالناصر معلناً نهاية تجربة أول صحيفة ثقافية في البحرين والمنطقة.
وبتوقف الجريدة الثقافية كان الإعلان الصغير الذي يقول:
“اقرأ كل أسبوع.. جريدتك المفضلة “الخميلة” التي توافيك بآخر أنباء البحرين والخليج العربي.. وتعالج جميع النواحي الأدبية والاجتماعية والفنية.. صاحبها ورئيس تحريرها كارنيك جورج.. تلفون 577.. ص.ب 226” قد انتهى إلى الأبد!
ومع تلك النهاية، كانت صحف البحرين تنتظرها بعد شهور قليلة نهايات أكثرها مأساوية في منتصف الخمسينات!
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
26-10-2004