مشاهدة النسخة كاملة : عثمان بن مظعون
أبوعبدالعزيز
10-31-04, 12:35 PM
هو أول من دفن بالبقيع، وكان من سادة المهاجرين، ومن أولياء الله المتقين.
أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وحرم الخمر في الجاهلية وقال: “لا أشرب شيئاً يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد”.
ولما كانت الهجرة إلى الحبشة كان عثمان بن مظعون أمير المهاجرين من المسلمين، وجلس يوماً يتذكر تلك الذكريات المؤلمة من الاضطهاد الذي عاشوه في مكة، وبخاصة من ابن عمه أمية بن خلف، الذي كان يؤذيه ليرده عن دينه وإيمانه.
ولم تمر إلا فترة يسيرة، حتى سرت شائعة بلغت آذان المهاجرين في الحبشة، وهي أن قريشاً قد أسلمت، وذلك لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم ثم سجد وسجد خلفه أصحابه وسجد المشركون.
وأقبل عثمان والمهاجرون الى مكة لما بلغهم ذلك، حتى إذا دنوا من مكة علموا ببطلان الخبر، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو مستخفياً. ودخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة ولما رأى عثمان رضي الله عنه ما فيه أصحاب رسول الله من البلاء وهم في مكة، وهو يغدو ويروح في جوار الوليد قال: “والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من المشركين وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له: “يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك قد رددت إليك جوارك”. قال: “لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي؟” قال: “لا، ولكنني أرضى بجوار الله عز وجل ولا أريد أن أستجير بغيره”.
قال: “فانطلق الى المسجد الحرام، فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية”. قال: فانطلقنا ثم خرجنا حتى أتينا المسجد، فقال لهم الوليد: “هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري”. قال: “قد صدق، وقد وجدته وفياً كريم الجوار، ولكنني أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره”.
ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم: “ألا كل شيء ما خلا الله باطل”. فقال عثمان: “صدقت”. فقال لبيد: “وكل نعيم لا محالة زائل”. فقال عثمان: “كذبت، نعيم الجنة لا يزول”. فقال لبيد: “يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث فيكم هذا؟” فقال رجل من القوم: “ان هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله”. فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ. فقال: “والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عمّا اصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة”. فقال عثمان: “بلى والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإنني في جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس”. فقال له الوليد: “هلم يا ابن أخي الى جوارك فعد”. قال: “لا”.
ولما هاجر إلى المدينة تفرغ للعبادة، وكان يشق على نفسه.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “دخلت امرأة عثمان بن مظعون، واسمها خولة بنت حكيم، على عائشة وهي باذة الهيئة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له عائشة، فلقيه النبي فقال: (يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أمالك في أسوة؟ فو الله إني أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده”.
وبعد رحلة طاعة وعطاء نام عثمان على فراش الموت، ودخل عليه رسول الله فقبله ودموعه تسيل على خد عثمان، ولما دفنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل: هلم تلك الصخرة فاجعلها عند قبر أخي أعرفه بها، أدفن إليه من دفنت من أهلي فقام الرجل فلم يطقها، فلكأني أنظر الى بياض ساعدي رسول الله حين احتملها حتى وضعها عند قبره، فلما ماتت بنت رسول الله قال لها: “الحقي بسلفنا الخيّر عثمان بن مظعون” ولقد كان يلقبه بالسلف الصالح.
ولقد رأته أم العلاء رضي الله عنها في منامها، ورأت له عيناً تجري، فجاءت الى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال: “ذلك عمله”.
فهذه هي حياة رجل من هذه الأمة عمل لآخرته، ولم يعمل لدنياه، حتى لحق بركب الآخرة، ليحظى بصحبة الأحبة، محمداً وصحبه.
فرضي الله عن عثمان وعن سائر الصحابة أجمعين.
السيد البشبيشي
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
31-10-2004
أبوعبدالعزيز
10-19-05, 01:52 PM
“في وقت، نحن فيه أحوج ما نكون إلى “النموذج”: نموذج الفرد الذي يؤدي عمله وهو يرى ربه معه، في كل ما يأتي من أمر أو ينتهي عن نهي؛ نموذج الفرد الذي يتعامل مع مجتمعه، من خلال تعامله مع ربه.. لنا أن نلقي نظرة على تاريخنا وتراثنا، تاريخنا العربي وتراثنا
الإسلامي؛ نظرة نرى من خلالها بعضاً من تلك “النماذج” التي استطاعت أن تنتقل، أو تنقل نفسها بالأحرى، من رعاة إبل جفاة غلاظ يشعلون الحرب لأوهى الأسباب، إلى قادة وهداة؛ قادة إلى الحق، وهداة إلى الله الواحد الأحد، عبر آداب القرآن الكريم، وأحكامه”.
عندما كان الإسلام يتسرب ضوؤه الباكر الندي من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كلماته صلى الله عليه وسلم التي يلقيها في بعض الأسماع سراً وخفية.. كان “عثمان بن مظعون” هناك؛ واحداً من القلة التي سارعت إلى الله والتفت حول رسوله.
ولقد نزل به من الأذى والضرر، ما كان ينزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين.
وحين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة بالعافية، أمراً إياها بالهجرة، مؤثراً أن يبقى في مواجهة الأذى وحده، كان “عثمان بن مظعون” أمير الفوج الأول من المهاجرين.. مصطحباً معه ابنه “السائب” مولياً وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكائد عدو الله “أبي جهل”، وضراوة قريش، وهول عذابها.
وكشأن المهاجرين إلى الحبشة في كلتا الهجرتين الأولى والثانية لم يزدد “عثمان بن مظعون” رضي الله عنه إلا استمساكاً بالإسلام. واعتصاماً به.
وبينما المهاجرون في دار هجرتهم يعبدون الله، ويتدارسون ما معهم من القرآن، ويحملون برغم الغربة توهج روح منقطع النظير.. إذ الأنباء تواتيهم أن قريشاً أسلمت، وسجدت مع الرسول لله الواحد القهار.
هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا إلى مكة تسبقهم أشواقهم، ويحدوهم حنينهم.
بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها، حتى تبينوا كذب الخبر الذي بلغهم عن إسلام قريش.
وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد، الذي طالما ردوه ونصبوا شباكهم لاقتناصه.. ثم ها هو ذا الآن، تحين فرصته، وتأتي به مقاديره.
كان “الجوار” يومئذ تقليداً من تقاليد العرب، من التقاليد ذات القداسة والإجلال، فإذا دخل مستضعف في جوار سيد قريشي، أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم، ولا يضطرب منه مأمن.
ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار.
من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة، كان من بين أفرادها “عثمان بن مظعون”، الذي دخل في جوار “الوليد بن المغيرة”.
وهكذا دخل مكة آمناً مطمئناً، ومضى يعبر دروبها، ويشهد ندواتها، دون ما خوف.
ولكن “ابن مظعون”، الرجل الذي يصقله القرآن، ويربيه محمد صلى الله عليه وسلم، يتلفت حواليه، فيرى إخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين، الذين لم يجدوا لهم جواراً ولا مجيراً. يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب، والبغي يطاردهم في كل سبيل؛ بينما هو آمن في سربه، بعيد من أذى قومه، فيثور روحه الحر، ويجيش وجدانه النبيل، ويتفوق بنفسه على نفسه، ويخرج من داره مصمماً على أن يخلع جوار الوليد، وأن ينفض عن كاهله تلك الحماية التي حرمته لذة تحمل الأذى في سبيل الله.
ولئن كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، لاسيما في تلك الفترة من حياتهم، كانوا جميعاً يحملون روح الزهد والتبتل، فإن ابن مظعون كان له في هذا المجال طابعه الخاص.. إذ أمعن في زهده وتفانيه إمعاناً رائعاً، أحال حياته كلها في ليله ونهاره إلى صلاة دائمة مضيئة، وتسبيحةٍ طويلةٍ عذبة.
وما أن ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى هم بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة.
فمضى لا يلبس إلا الملبس الخشن، ولا يأكل إلا الطعام الجشب.
دخل يوماً المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه جلوس، وكان يرتدي لباساً تمزق، فرقعه بقطعة من فروة.. فرق له قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ودمعت عيون أصحابه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: “كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، وتوضع بين يديه قصعة، وترفع أخرى.. وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟!”.
قال الأصحاب: “وددنا ذلك يكون يا رسول الله، فنصيب الرخاء والعيش”.
فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: “إن ذلك لكائن، وأنتم اليوم خير منكم يومئذ”.
وكان بديهياً، وابن مظعون يسمع هذا، أن يزداد إقبالاً على الشظف وهرباً من النعيم.
بل حتى الرفث إلى زوجته نأى عنه وانتهى، لولا أن علم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك فناداه وقال له: “إن لأهلك عليك حقا”.
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
19-10-2005
أبوعبدالعزيز
11-15-06, 05:16 AM
كان عثمان بن مظعون واحداً من الذين التفوا حول النبي صلى الله عليه وسلم.. يستمعون إليه وهو يلقي أول خطبة معلنًا نبوته.. داعياً إلى الاسلام.. وانصرف مع من انصرف من الناس وصوت النبي يتردد في أعماقه.. فقد كان لكلماته صلوات الله عليه أكبر الأثر في نفسه ولكن شيئاً ما أخره عن إعلان إسلامه، لم يعرف له كنهاً. ولكنه أرق ضميره طوال عمره بعد ذلك. إذ لم يكن أول من مد يده إلى النبي مبايعاً.. ومسلماً.. الأمر الذي أضفى على سلوكه إيمان المتصوفة وزهد الصالحين بقية حياته.. وشاهد عثمان معارضة قريش والزعماء للنبي ودعوته، وشاهد أيضا بدء مراحل الاضطهاد والتعذيب لكل من يعلن إسلامه.. ولكل من يسير وراء محمد عليه الصلاة والسلام.. وأحس بقلبه يثور عليه، وبضيق يكتم أنفاسه واستمر على ذلك أياماً حتى أحس ذات ليلة أنه يكاد يختنق ما لم يجد حلاً يخرجه من حيرته فيحدد لنفسه موقفاً من الدين الجديد.
إيمان راسخ
وجاء الصباح وفي وضح النهار كان يسير في شوارع مكة بوقاره وعظمة رجولته حتى وصل إلى دار النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه وأعلن إسلامه ويومها أصبح عدد المسلمين أربعة عشر شخصاً لا أكثر، وبدأ عثمان حياة جديدة وكان يعتبر وبحق أن إسلامه يسدل ستاراً كثيفاً على حياته السابقة.. وبشوق الإيمان وبتأنيب الضمير لأنه لم يكن أول من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، بدأ عثمان بن مظعون حياة فريدة مع المسلمين. فكان يشاركهم كل حياتهم.. وكل متاعبهم وقد جهر بإسلامه. ودعا إليه أهله وسارت من خلفه زوجته وابنه الأمر الذي أثار عليه قومه حتى نسوا أنه واحد من الشعراء وأن بعض أشعاره تتناقلها الركبان ولم يخشوا هجاءه لهم. والعرب يومذاك كانت تجري أعظم قبائلها وراء بيت شعر مادح وتدفع أثقالاً لتمنع بيت هجاء فيها نسوا ذلك كله، وبدأوا معه أنواعاً شتى من العذاب حيث ضربوه.. وسجنوه وربطوا على قلبه الأحجار وتركوه فوق الصخور أياماً وليالي وليزداد ألماً وكلوا بهذا التعذيب أقرب أهله إليه مودة في حياته السابقة ابن عمه أمية بن خلف.. ومع ذلك لم يهتز إيمان عثمان ولم يستسلم لكل ما قدموه إليه من إغراء حتى يترك دينه ويسب نبيه بل صمد وقاوم وصبر وراح يجهر بإسلامه وخشي عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يلقاه فأمره بالهجرة إلى الحبشة مع القلة المؤمنة الأولى.. وأن يصحب معه ابنه السائب وأن يكون هو أميراً على هذه المجموعة التي أحبها الله ورسوله. وأطاع عثمان أمر النبي بعدما كان يتمنى البقاء الى جانبه فما كان له أن يختار أمراً غير الذي يريده الرسول صلى الله عليه وسلم. وبقي في الحبشة مع المهاجرين يتدارسون دينهم.. ويتلقون في شوق أخبار نبيهم وتأتيهم الرسل بكل جديد من القرآن الكريم يحفظونه ويعبدون الله ويتشوقون للحظة العودة حيث الرسول صلى الله عليه وسلم وحيث الدعوة.. ووصلت أخبار إلى قريش تخص هذا الوفد الاسلامي. فكادت أن تجن وحاولت استعادتهم ففشلت. فحاولت الوقيعة بينهم وفشلت أيضا. فلجأت أخيراً إلى المكر والخداع فأرسلت من يخبرهم بأن قريشاً قد آمنت بالله.. واتبعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن مكة كلها أصبحت على يد رجل واحد تؤمن بالاسلام، وخرج المهاجرون وسارعوا بالعودة إلى مكة.
وعلى مشارف مكة اكتشف المسلمون الخديعة والكذب. وكان أهل قريش وأتباعها يعلمون ما يدبر لهذه الفئة المؤمنة بالله ورسوله. ولكن واحداً منهم كانت تربطه بعثمان أواصر مودة عميقة وجذبه إليه صموده إزاء ما يلقاه فقابله في الطريق قبل وصوله مكة ولم يحدثه بنوايا قريش وإنما ألح عليه في أن يدخل في جواره. ومازال به حتى قبل، ذلكم هو الوليد بن المغيرة وبذلك دخل عثمان مكة آمناً. وتمر الأيام، ويرى عثمان أن رفاقه في الدعوة وإخوانه في الدين يلاقون من أنواع العذاب ما لم تشهده مكة من قبل ويرى أيضا أنه يسير في طرقات مكة آمناً ويؤدي مناسك دينه سالماً ولم يكن كذلك قبل هجرته إلى الحبشة رغم ما كان له من مكانة وعزة. وتمردت عليه نفسه الأبية، وثارت فيه كل مكامن الرجولة والعظمة والشهامة، وإذا به كما يقول واحد من الصحابة الأول: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة وقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك. فقال له: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله ولا أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاُردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية.. فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري، قال عثمان: صدق، ولقد وجدته وفياً كريم الجوار ولكنني أحببت ألا أستجير بغير الله. ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة في مجلس من مجالس قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت.. نعيم الجنة لا يزول فقال لبيد: يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه فارق ديننا.. فلا تجدن في نفسك من قوله فرد عليه عثمان بن مظعون حتى شرى أمرهما فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فأصابها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما يحدث لعثمان. فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية. لقد كنت في ذمة منيعة فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يا بن أخي إن شئت فعد إلى جواري فقال ابن مظعون: لا.. ويترك عثمان المجلس ويعود إلى داره راضياً بما قدر الله.. سعيداً بمشاركة إخوانه في الدين مصيرهم، ومنشداً شعراً يتناقله العرب في كل مكان:
فإن تك عيني في رضا الله نالها
يدا ملحد في الدين ليس بمهتدي
فقد عوض الرحمن منها ثوابه
ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعدِ
فإني وإن قلتم غوي مضلل
لأحيا على دين الرسول محمدِ
أريد بذاك الله والحق ديننا
على الرغم من يبغي علينا ويعتدي
أنموذج فريد
وعلى الرغم من عينه الجريحة إلا أن أهله ومشركي قريش لم يتركوه، بل مارسوا معه كل أنواع التعذيب لعله يترك دينه، أو يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم جميعاً لم ينالوا منه شيئاً، واستمر يعاندهم بقوة إيمانه وصلابة عزيمته إلى أن أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، ووصلها عثمان بن مظعون ليشهد المسلمون في المدينة فيه أنموذجاً فريداً في العبادة والدعوة فقد كان رضي الله عنه يرفض كل متع الحياة وكان يقبل على الله بقلب تهتز لإيمانه الدنيا وكان يعمل.. ويتعلم.. ولا يغيب عنه رسول الله لحظة.. حتى ظنه بعض العرب من أسرة النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة ما رأوه من محبته صلى الله عليه وسلم له، وتفقده إياه وكثرة السؤال عنه. واشترك مع النبي الكريم في بعض الغزوات.. فكان الفدائي البطل الذي يبحث عن الاستشهاد ولم يطل به الأجل فقد هد جسده ما لقي من عذاب فوق طاقة البشر ولم تنفع مقاومته للآلام وآثار التعذيب. فسقط ذات يوم صريع هذا كله.. وفي ومضة كان المسلم الرابع عشر في تاريخ المسلمين المشرق الحافل يلفظ أنفاسه الأخيرة، راضياً مطمئناً وليكون أول المهاجرين وفاة بالمدينة المنورة.. وينحني النبي العظيم ليقبله وهو يبكي بكاء تهتز له القلوب من حوله وحتى يبتل وجه عثمان بدموع النبي ويودعه بكلمات جليلة: “رحمك الله أبا السائب. خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك”. ثم يأمر النبي بدفنه بعد أن صلى عليه، فيكون عثمان بن مظعون أول من يدفن في البقيع.
د. عبدالكريم صقر
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
10-11-2006
أبوعبدالعزيز
06-21-11, 05:02 PM
عثمان بن مظعون رضي الله عنه
رحمك الله أبا السائب ، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك
"
حديث شريف
عثمان بن مظعون من أوائل المسلمين وأغلب الظن الرابع عشر ترتيبا
وناله ما ينال المسلمين من أذى المشركين وصبر ، وكان أمير المهاجرين
الأوائل الى الحبشة مصطحبا ابنه السائب معه ، وكان أول المهاجرين وفاة
بالمدينة ، وأولهم دفنا بالبقيع
جوار الله
بلغ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين خرجوا الى الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا ، فغادروا الحبشة عائدين ، ولكن حين دنو من مكة علموا بأن هذا النبأ خاطيء ، فلم يدخل أحد منهم الى مكة إلا بجوار أو مستخفيا وكانوا ثلاثة وثلاثون منهم عثمان بن مظعون الذي دخل بجوار من الوليد بن المغيرة
ولكن لما رأى -رضي الله عنه- ما فيه أصحـاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من البلاء وهو يغـدو ويروح في أمـان من الوليد بن المغيرة قال :( والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي ) فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له :( يا أبا عبد شمس ، وَفَت ذمتك ، قد رددت إليك جوارك ) فقال له :( يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي ) قال :( لا ، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره ) فقال :( فانطلق الى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية ) فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد :( هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري ) قال عثمان :( صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره )
ثم انصرف عثمان ، ولبيـد بن ربيعة في مجلس من قريش يُنشـدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقل لبيـد :( ألا كل شيء ما خلا الله باطـل ) قال عثمان :( صدقت ) قال لبيد :( وكل نعيم لا محالة زائل ) قال عثمان :( كذبت ، نعيم الجنة لا يزول ) قال لبيد :( يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟) فقال رجل من القوم :( إن هذا سفيه من سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله ) فرد عثمان عليه حتى شري أمرهم ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان ، فقال :( أما والله يا ابن أخي ، إن كانت عينك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة ) فقال عثمان :( بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس ) فقال الوليد :( هلم يا ابن أخي ، إن شئت فعد الى جوارك ) فقال عثمان :( لا )
الراهب الجليل
وهاجر عثمان بن مظعـون الى المدينة مع الرسـول -صلى الله عليه وسلم- والمسلميـن ، وظهرت حقيقته الطاهرة ، فهو راهـب الليل والنهار وفارسهمـا معا ، تفرغ للعبادة وانقطع عن مناعم الحياة فلا يلبس إلا الخشـن ولا يأكل إلا الطعام الجشِب ، فقد دخل يوما المسجد ، وكان يرتدي لباسا تمزق ، فرقعه بقطعة من فروة ، فرق له قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- ودمعت عيون الصحابة فقال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حُلّة ، ويروح في أخرى ، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى ، وسَتَرتم بيوتكم كما تستر الكعبة ؟) قال الأصحاب :( وَدِدْنا أن ذلك يكون يا رسول الله ، فنُصيب الرخاء والعيش ) فأجابهم الرسول الكريم :( إن ذلك لكائن ، وأنتم اليوم خير منكم يومئـذ ) وحين سمع ابـن مظعـون ذلك زاد هربا من النعيم ، بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى لولا أن علم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك فناداه وقال له :( إن لأهلك عليك حقا )
وفاته
وحين كانت روحه تتأهب للقاء ربها وليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة ، كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى جانبه يقبل جبينه ويعطره بدموعه وودعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا :( رحمك الله أبا السائب ، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك ) ولم ينسه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك أبدا حتى حين ودع ابنته رقية حين فاضت روحها قال لها :( الحقي بسلفنا الخيِّر ، عثمان بن مظعون )
منقول من الشبكة الإسلامية
أم مصعب
06-29-11, 01:05 AM
وفقك الله وجزاك الرحمن خيراً
أبوعبدالعزيز
07-06-11, 06:14 PM
ويجزيك الله الخير و الجنة على ردك و مرورك الطيب
Powered by vBulletin® Version 4.1.11 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir