أبوعبدالعزيز
11-09-04, 10:34 AM
يعتقد البعض أن النوادي الغربية، الروتاري والليونز وغيرها، المنتشرة حالياً حديثة العهد، وكلها أندية ماسونية لديها أهداف مريبة ملتحفة بأهداف نبيلة كثيرة لتخريب المجتمعات الاسلامية. غير أن المراجعة الحقيقية لجذورها تؤكد أن لها امتدادات قديمة وأن محاولات هدم قيمنا والتقليل من فاعليتها الحضارية بدأت منذ فترة طويلة. واستطاعت هذه الأندية أن توجد لها مكاناً في أوساط عدد من المثقفين والمفكرين والمبدعين، واستفادت من دورهم في توسيع مساحة انتشارها والترويج لأهدافها، تصريحاً أو تلميحاً. ولا تزال تعمل بهمة ونشاط في عدد كبير من البلدان الاسلامية، واستمدت شيئا من المشروعية بما تلقاه من رعاية رسمية. وهناك فئة من المفكرين انخرطوا في أنشطتها منذ وقت مبكر بعضهم واصل عمله بين هياكلها والبعض الآخر انسحب منها عندما اكتشف حقيقة أهدافها الخفية.
وربما لايخطر على بال كثير من الناس أن المفكر والاصلاحي جمال الدين الأفغاني كان واحداً من هؤلاء، وانتخب رئيساً لمحفل “كوكب الشرق” عام 1878. لكن عندما أخفق هذا المحفل في التصدي للاستبداد والاستعمار وساير مخططات الاحتلال الانجليزي في مصر استقال منه. وسجل هذه التجربة في كلمات بليغة أدان فيها ماسونية ذلك المحفل، الذي تستر تحت شعارات براقة، وكان في الحقيقة يعمل لخدمة أطماع الاستعمار. وعلى هذا الأساس كرس الأفغاني حياته للإصلاح والتنوير على قواعد الدين الاسلامي الصحيحة، حتى احتل مكانة مرموقة بين مصلحي زمانه، حيث خط لنفسه طريقاً واضحاً في الدعوة وأسسها والآليات التي تنطلق منها.
الإسلام المجاهد
وعندما انتقل للإقامة في الهند وضع بالفارسية كتابه القيم “الرد على الدهريين” الذي قام فيه بتفنيد آراء هذه الطائفة التي ترمي الى محو الأديان والإباحة. وفي عام 1884 اتفق مع محمد عبده على تأسيس جريدة “العروة الوثقى” بهدف فضح جرائم الاستعمار الغربي في حق الدول الاسلامية وإثارة الشعوب عليه. ووضع الافغاني قواعد لفكرة الاسلام المجاهد ضد الطغيان الداخلي والخارجي والاسلام المتحرر من قيود التقليد الذي ينطلق من حرية الفكر وسعة الاجتهاد. وهي البذور التي أنبتت ألوانا مختلفة من الأفكار الناضجة. وعن مذهبه قال محمد عبده “أما مذهب الرجل فحنيفي حنفي، وهو ان لم يكن في عقيدته مقلدا، لكنه لم يفارق السنة الصحيحة مع ميل الى مذهب السادة الصوفية، رضي الله عنهم، وله مثابرة شديدة على أداء الفرائض في مذهبه. وعرف ذلك بين معاصريه في مصر أيام إقامته بها، ولا يأتي من الأعمال إلا ما يحل في مذهب امامه، فهو أشد من رأيت في المحافظة على أصول مذهبه وفروعه.
القرآن أساس الإصلاح
كانت الدعوة الى القرآن والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه، ورأى أن القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم. وقال: “القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج الى حسن الاسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنهم يرون حالة المسلمين السيئة من خلال القرآن فيقعدون عن اتباعه والايمان به”. فهو وحده سبب الهداية وأساس الاصلاح، والسبيل الى نهضة الأمة: ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف، فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلماً وفلسفة وصناعة وتجارة. “فالإصلاح لا يقوم الا على القرآن وحده أولاً، ثم فهمه فهما صحيحاً حراً، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها الى أذهان متناوليها”.
وتؤكد افكاره أن روحيته هي التي جعلته ينزع الى نوع يطلق عليه “الاشتراكية الاسلامية” بحسبان أن قانونها ينطلق من المحبة والصفاء ودستورها العقل والحرية وغايتها العدالة الاجتماعية. ولعل تغلغل الشعور الديني عند الافغاني جعله يعلي من مكانة الدين الاسلامي، باعتباره “قوام الامم وفيه سعادتها وبه فلاحها”. وهو ما جعله يرى ان المدنية الصحيحة هي التي تقوم على الدين والعلم والاخلاق. ونفى تماماً القول ان التقدم المادي يصح ان يسمى مدنية وإنما هو “وحشية مدمرة”. والاسلام منذ ظهوره وحتى شيوعه واتساع رقعته يدعو بالحكمة وممارسة العدل ومكارم الأخلاق.
مقاومة الجمود الفكري
لم يقف عند مقاومة الاستبداد الداخلي والسيطرة الأجنبية، بل تزامنت مع ذلك مقاومته للجمود الفقهي والفكري، فأنكر إغلاق باب الاجتهاد. ووصف سبيل الخروج من حال التبعية والسيطرة الأجنبية على الأمة الاسلامية بقوله: إن علاجها الناجح إنما برجوعها الى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق. وأوضح أن الأصول الدينية المبرأة من محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وتبعثها على اقتناع الفضائل وتوسيع دائرة المعارف وتنتهي بها الى أقصى غاية في المدنية.
ويمكن القول إنه كان إصلاحيا حقيقيا ومفكراً ملتزما ومسلما واعيا بجوهر دينه ونصيرا للعقل والموضوعية وطالما طالب المسلمين باستعمال هذه المبادئ التي تميز بها الاسلام عن غيره من الملل والعقائد والأديان وقال: الدين يطالب المتدينين بأن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم.. وتنطق نصوصه بأن السعادة من نتاج العقل والبصيرة. وكان ينفر دوما من التقليد. وبهذه الروح دافع عن حرية الأفعال الانسانية معارضا مذاهب منكريها الذين يرون أن الانسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا أثر فيه للاختيار، وهو بذلك يكون سبق عدداً كبيراً من المفكرين الذين جاءوا بعده.
حفلت حياته القصيرة بالدعوة القوية والرصينة للإصلاح الاسلامي والثورة على جميع صنوف الفساد، انطلاقا من تعاليم الدين الذي حض على مقاومتها بأي وسيلة ممكنة. ومع أن الأفغاني لقي الكثير من الاضطهاد وعانى من البلاء في معظم الدول التي حط فيها، الا أنه كان حريصا على التعبير عن دعوته في حركاته وسكناته وخدمتها بالأعمال الجليلة التي لم ينكرها من جاءوا بعده، حيث اعتبروها نبراسا ينير لهم الطريق ويفتح لهم آفاقاً جديدة، ليعزز من دور الاسلام ويصبح بحق مفتاحا لاعادة هيكلة العديد من رموز الحياة المعقدة. وقد جمع بين أصالة الاسلام وروحه وأسس ودعائم التقدم العلمي.
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
9-11-2004
وربما لايخطر على بال كثير من الناس أن المفكر والاصلاحي جمال الدين الأفغاني كان واحداً من هؤلاء، وانتخب رئيساً لمحفل “كوكب الشرق” عام 1878. لكن عندما أخفق هذا المحفل في التصدي للاستبداد والاستعمار وساير مخططات الاحتلال الانجليزي في مصر استقال منه. وسجل هذه التجربة في كلمات بليغة أدان فيها ماسونية ذلك المحفل، الذي تستر تحت شعارات براقة، وكان في الحقيقة يعمل لخدمة أطماع الاستعمار. وعلى هذا الأساس كرس الأفغاني حياته للإصلاح والتنوير على قواعد الدين الاسلامي الصحيحة، حتى احتل مكانة مرموقة بين مصلحي زمانه، حيث خط لنفسه طريقاً واضحاً في الدعوة وأسسها والآليات التي تنطلق منها.
الإسلام المجاهد
وعندما انتقل للإقامة في الهند وضع بالفارسية كتابه القيم “الرد على الدهريين” الذي قام فيه بتفنيد آراء هذه الطائفة التي ترمي الى محو الأديان والإباحة. وفي عام 1884 اتفق مع محمد عبده على تأسيس جريدة “العروة الوثقى” بهدف فضح جرائم الاستعمار الغربي في حق الدول الاسلامية وإثارة الشعوب عليه. ووضع الافغاني قواعد لفكرة الاسلام المجاهد ضد الطغيان الداخلي والخارجي والاسلام المتحرر من قيود التقليد الذي ينطلق من حرية الفكر وسعة الاجتهاد. وهي البذور التي أنبتت ألوانا مختلفة من الأفكار الناضجة. وعن مذهبه قال محمد عبده “أما مذهب الرجل فحنيفي حنفي، وهو ان لم يكن في عقيدته مقلدا، لكنه لم يفارق السنة الصحيحة مع ميل الى مذهب السادة الصوفية، رضي الله عنهم، وله مثابرة شديدة على أداء الفرائض في مذهبه. وعرف ذلك بين معاصريه في مصر أيام إقامته بها، ولا يأتي من الأعمال إلا ما يحل في مذهب امامه، فهو أشد من رأيت في المحافظة على أصول مذهبه وفروعه.
القرآن أساس الإصلاح
كانت الدعوة الى القرآن والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه، ورأى أن القاعدة الأساسية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد على القرآن الكريم. وقال: “القرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج الى حسن الاسلام، فهو يدعوهم بلسان حاله إليه. لكنهم يرون حالة المسلمين السيئة من خلال القرآن فيقعدون عن اتباعه والايمان به”. فهو وحده سبب الهداية وأساس الاصلاح، والسبيل الى نهضة الأمة: ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا توصف، فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة وعلماً وفلسفة وصناعة وتجارة. “فالإصلاح لا يقوم الا على القرآن وحده أولاً، ثم فهمه فهما صحيحاً حراً، وذلك يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها الى أذهان متناوليها”.
وتؤكد افكاره أن روحيته هي التي جعلته ينزع الى نوع يطلق عليه “الاشتراكية الاسلامية” بحسبان أن قانونها ينطلق من المحبة والصفاء ودستورها العقل والحرية وغايتها العدالة الاجتماعية. ولعل تغلغل الشعور الديني عند الافغاني جعله يعلي من مكانة الدين الاسلامي، باعتباره “قوام الامم وفيه سعادتها وبه فلاحها”. وهو ما جعله يرى ان المدنية الصحيحة هي التي تقوم على الدين والعلم والاخلاق. ونفى تماماً القول ان التقدم المادي يصح ان يسمى مدنية وإنما هو “وحشية مدمرة”. والاسلام منذ ظهوره وحتى شيوعه واتساع رقعته يدعو بالحكمة وممارسة العدل ومكارم الأخلاق.
مقاومة الجمود الفكري
لم يقف عند مقاومة الاستبداد الداخلي والسيطرة الأجنبية، بل تزامنت مع ذلك مقاومته للجمود الفقهي والفكري، فأنكر إغلاق باب الاجتهاد. ووصف سبيل الخروج من حال التبعية والسيطرة الأجنبية على الأمة الاسلامية بقوله: إن علاجها الناجح إنما برجوعها الى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق. وأوضح أن الأصول الدينية المبرأة من محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد وتبعثها على اقتناع الفضائل وتوسيع دائرة المعارف وتنتهي بها الى أقصى غاية في المدنية.
ويمكن القول إنه كان إصلاحيا حقيقيا ومفكراً ملتزما ومسلما واعيا بجوهر دينه ونصيرا للعقل والموضوعية وطالما طالب المسلمين باستعمال هذه المبادئ التي تميز بها الاسلام عن غيره من الملل والعقائد والأديان وقال: الدين يطالب المتدينين بأن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم.. وتنطق نصوصه بأن السعادة من نتاج العقل والبصيرة. وكان ينفر دوما من التقليد. وبهذه الروح دافع عن حرية الأفعال الانسانية معارضا مذاهب منكريها الذين يرون أن الانسان مضطر في جميع أفعاله اضطرارا لا أثر فيه للاختيار، وهو بذلك يكون سبق عدداً كبيراً من المفكرين الذين جاءوا بعده.
حفلت حياته القصيرة بالدعوة القوية والرصينة للإصلاح الاسلامي والثورة على جميع صنوف الفساد، انطلاقا من تعاليم الدين الذي حض على مقاومتها بأي وسيلة ممكنة. ومع أن الأفغاني لقي الكثير من الاضطهاد وعانى من البلاء في معظم الدول التي حط فيها، الا أنه كان حريصا على التعبير عن دعوته في حركاته وسكناته وخدمتها بالأعمال الجليلة التي لم ينكرها من جاءوا بعده، حيث اعتبروها نبراسا ينير لهم الطريق ويفتح لهم آفاقاً جديدة، ليعزز من دور الاسلام ويصبح بحق مفتاحا لاعادة هيكلة العديد من رموز الحياة المعقدة. وقد جمع بين أصالة الاسلام وروحه وأسس ودعائم التقدم العلمي.
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
9-11-2004