المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اخترنا الله ورسوله



أبوعبدالعزيز
11-09-04, 11:03 AM
قال تعالى: “يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً” الأحزاب 28-29

في هاتين الآيتين أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بعد أن سألنه توسعة في الرزق، واستكثاراً في النفقة لما رأين فيء الله على رسوله من بني النضير وغيرهم، وقد خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترن جميعاً الله ورسوله والدار الآخرة، ومن البلاغة القرآنية في الآيات: افتتاح هذا الحكم الإلهي بالنداء بوصف النبوة “يا أيها النبي” تنبيهاً لما سيذكر بعده من انباء وتبليغ بالتخيير لنسائه صلى الله عليه وسلم.

وفي الوصف بالنبوة كذلك اشارة إلى عظيم قدره، ورفيع مكانته صلى الله عليه وسلم عند ربه، وقد أدى النداء في صدر الآية دوره في تهيئة تلك المشاعر وإيقاظها وتنبيهها لتتوفر على تلقي ما يأتي بعده أي النداء وهي في غاية الوعي والتركيز، ثم أتى الأمر “قل لأزواجك”، حيث صُرف الكلام عن مخاطبة أزواجه صلى الله عليه وسلم، في هذا المقام الذي يخيرن فيه بين الله ورسوله والدار الآخرة والحياة الدنيا، وذلك “حتى يكون الخيار خالصاً يترك فيه الأمر لمحض إرادة المخير وفكره”، وأضيف إلى ذلك ان في صرف الخطاب المباشر عن ازواج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام نوعاً من العتاب لهن، لما أبدينه لرسول الله، ثم إنك ترى الخطاب الإلهي بعد اختيارهن الله ورسوله، وإرضائهن له عليه السلام ترى الخطاب الإلهي يتجه إليهن مباشرة دون وساطة، مكافأة لهن لإيثارهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإرضائهن له بهذا الايثار، وفي ذلك اشارة اخرى لمكانة رسول الله عند ربه، ولتقرأ السياق المباشر بعد آيتي التخيير ستجد أن الخطاب الإلهي لنساء النبي جاء مباشراً من دون واسطة “قل” وهذا ما يدعم ما ذهبت إليه بدليل قوله سبحانه عقب آيتي التخيير مباشرة “يا نساء النبي من يأت منكن” “يا نساء النبي لستن كأحد من النساء” “وقرن في بيوتكن.. “واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة”.

وسر بناء الشرط الأول ب “إن” هو افتراض أن إيثار نساء النبي للدنيا وزينتها أمر مشكوك في حدوثه، غير متوقع حصوله منهن، لذا كان تعليق الشرط الأول ب “إن”، وقد وقفت طويلاً أمام سر تعليق الشرط الثاني ب “إن” فاختيار نساء النبي لله ورسوله ليس أمراً مشكوكاً فيه أو مستبعداً حتى تستخدم فيه “إن” وهديت إلى أن إيثار اداة الشرط “إن” في قوله: “وإن كنتن تردن الله ورسوله” بعد قوله: “إن كنتن تردن الحياة الدنيا” كان مناسباً لمقام التخيير والحرية المطلقة في الآية، وهذا لا يتحقق إلا بالمساواة التامة في العرض، وورود “إذا” مع العرض الثاني ينافي هذا التخيير، لأنه يخل بمبدأ التساوي في التخيير، والقرآن إنما يريد توفير حرية الاختيار لنساء النبي دون أي تأثير، ووصف “الحياة” بالدنيا “فيه تنفير من تلك الحياة لما توحي به “الدنيا” من الدنو والالتصاق بالأرض والجسدية والطين، والانصراف وراء الشهوات”، وقوله “وزينتها” من عطف الخاص على العام، وفيه مزيد تنفير من تلك الحياة الهابطة والفاء في قوله “فتعالين” أي أقبلن واقعة في جواب الأمر، وقد دلت الفاء على المبادرة في تنفيذ الحكم أي التسريح والتمتيع، وكلمة “فتعالين” مناسبة لمقام التخيير أتم مناسبة، لأن فيها دلالة على أن الفاعل متوفر على الفعل، ومنصرف إليه انصرافاً كاملاً بعزيمته، وارادته، واختياره.

د. عادل أحمد الرويني
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
9-11-2004