بعد غزوة الأحزاب - والتي تجمعت فيها كل قوى الكفر في الجزيرة، وأرهقت المسلمين إرهاقا شديدا - خرج المؤمنون من عنق الزجاجة، وقويت شوكتهم، وأخذوا في رد اعتبارهم وتقليم أظافر عدوهم.

وقد عاهد النبي صلوات الله عليه قريشا عهدا سُمي “بصلح الحديبية” وفيه الموادعة لمدة عشر سنين بين الفريقين، وبدأ الإسلام ينتشر في جو صحو وحرية جديدة، فكان يكسب كل يوم أرضا جديدة.

لكن قريشاً كعادتها نقضت العهد واعتدت على حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهنا دارت الدائرة عليها، وكان فتح مكة، وجاء الميلاد الجديد لدولة الإسلام.
كيف فتح محمد عليه السلام مكة ؟ وما فعل بأهلها، الذين كذبوه وأهانوه وأخرجوه ؟

قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا، قال: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة!) فسمعها رجل من المهاجرين قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال يا رسول الله اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب أدركه فخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.

ودخل مكة عليه الصلاة والسلام متواضعا أشد ما يكون التواضع، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن لحيته - لتكاد تمس واسطة الرحل.

“اذهبوا فأنتم الطلقاء”

قال ابن إسحاق: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها.

ثم قام على باب الكعبة، فقال: [لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج]

ثم قال: (يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يَا أَيهَا الناسُ إِنا خَلَقْنَاكُم من ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِن أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِن اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات - 13)

ثم قال: (يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم)؟ قالوا: (خيرا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم). قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

هذا العفو الكبير هل شهدت الدنيا مثيلا له ؟!

إن المحفوظ من سيرته عليه السلام أنه ما انتقم لنفسه قط، فلا تستفزه الإهانات ولا الشدائد، بل لا تزيده إلا حِلما على حلم.


أعظم الرسالات سماحة

لقد أصابت الألمانية سيجرد هونكة حينما قالت: إن الإسلام بلا شك أعظم الديانات سماحة ورحمة وتلك السماحة ليست وقفا على النبي صلى الله عليه وسلم بل تعلمها منه المؤمنون من بعده.

فحين فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس، كان بإمكانه ألا يستبقي أحدا من أهل الكتاب حيا، لكنه أمّنهم وعاهدهم وحنا عليهم.

وحين فتحها صلاح الدين عفا عن الفرنجة الذي استباحوها وقتلوا فيها ستين ألفا من الرجال والنساء والأطفال، ويقال سبعون ألفا، ألا ما أجمل قول الشاعر المسلم:


ملكنا فكان العفو منا سجية

وملكتم فسالت بالدماء الأبطحُ

حسبكم هذا التفاوت بيننا

وكل إناء بالذي فيه ينضحُ

أما الذين يلمزون الإسلام بأنه دين توسعي، فإنهم يظلمونه ظلما شديدا، فحين خرج المؤمنون من جزيرتهم فاتحين لمصر ولبلاد الشام وغيرها، لم يخرجوا كبرياءً ولا تسلطا، بل خرجوا للإنقاذ وللبناء، لإنقاذ أهل البلاد من طغيان الاستعباد، ولبناء حضارة إنسانية جديدة.

لقد خرجوا بلغةٍ يعرفها الجميع، إنها لغة الرحمة الإنسانية العامة التي يحتاجها كوكبنا الآن.


يسرا يوسف

منقول من جريدة الخليج
الإمارات
31-3-2006