تقول إحدى الأمهات:

لنا صديقة متزوجة ولها طفلان في عمر الخامسة والسادسة، وفي إحدى المرات وأنا أزورهم كانت تطلب من أطفالها عدم العبث بمنبه أبيهم.. ولاحظت أن الأطفال غير منتبهين لما تقوله الأم...

فقلت لهم: أتحبون أن تسمعوا قصة لطيفة؟!

فجلسا بجانبي في انتباه تام لأنهم يحبون القصص والحكايات، وبدأت حكايتي: 'كان هناك طفل صغير اسمه مصطفي عمره خمس سنوات, وكان يحب اللعب بالمنبه الموجود بغرفة والديه.. طلب منه والده أكثر من مرة أن يقلع عن هذا، ولكنه كان يحب أن يفعل ذلك.. إنه شيء لطيف.. فلم يتوقف وظل يلعب في منبه والده.. فيمسك مفتاح المنبه، ويديره في اتجاهات مختلفة ويضحك وهو يرى المؤشر يتحرك يمينًا ويسارًا ويدور في اتجاهات مختلفة.. [تفتكروا مصطفى كان ولد كويس؟!] فقال الأطفال: لا.

وفي يوم العيد كان مصطفى وعائلته مدعوين لحفل العيد في بيت عائلة صديقه, وكان مصطفى فرحًا جدًا بهذه الدعوة, حيث سيرى كل أصدقائه المسلمين هناك في الحفل ويلعبون معًا ويأكلون معًا الحلوى وكعك العيد، ويشربون المرطبات, وكان مصطفى ينتظر يوم الحفل بفارغ الصبر, وكان موعد الحفل من الساعة السابعة مساءً حتى التاسعة.

واستعد مصطفى يوم العيد ولبس ملابسه الجديدة, وكان سعيدًا, وانتظر حتى يحين وقت الحفل..

حوالي الساعة الخامسة أحس مصطفى بالملل وذهب إلى غرفة والديه وبدأ يعبث بالمنبه، وبدأ يحرك المؤشريْن حتى أصبح الوقت في المنبه الثالثة بدلاً من الخامسة، وناداه والده لطعام العشاء، فذهب وتناول الجميع الطعام، وبعد العشاء ذهب والدا مصطفى إلى غرفتهما وذهب هو إلى غرفته، وكل عشر دقائق يسألهم: هل حان وقت الذهاب للحفل أم لا؟!

فيقولان: ما زال عندنا بعض الوقت، وانتظر مصطفى طويلاً حتى حان موعد الذهاب وهو في حالة شوق شديد ليلعب مع أقرانه وأصدقائه، ووصلوا جميعًا إلى المنزل, ودق مصطفى جرس الباب، وفتح الأستاذ رياض الباب الخارجي, فقال له مصطفى: السلام عليكم، لقد حضرنا للحفل.

فقال الأستاذ رياض: أي حفل؟! لقد انتهى الحفل؛ الساعة الآن التاسعة.

فنظرت الأم إلى ساعتها وقالت: حقًا الساعة الآن التاسعة!

وقال والد مصطفى: ولكن الساعة في المنزل السابعة..

وتنبه إلى الأمر وسأل مصطفى: هل لعبت مرة أخرى في الساعة؟!

فقال مصطفى: نعم.

فقالت له أمه: لقد أخبرناك عدة مرات ألا تلعب في المنبه. انظر ماذا حدث.. لقد ضاع الحفل نتيجة للعبك في المنبه وعدم سماعك لنصيحتنا.

وحزن مصطفى على ضياع الحفل, وتعلم درسًا عظيمًا وعاهد والديه أن يقلع عن هذه العادة السيئة.



كان الطفلان يستمعان في انتباه شديد واعتقد أنهما تعلما درسًا كان من الصعب أن ألقنهما إياه بمجرد قولي لهما: عليكما أن تسمعا لنصائح والديكما...'. [أولادنا أكبادنا].

القصة لماذا؟!

يقول الأستاذ سيد قطب: 'في القصة سحر يسحر النفوس.. أي سحر هو وكيف يؤثر على النفوس'؟

لا يدري أحد على وجه التحديد أهو انبعاث الخيال يتابع مشاهد القصة ويتعقبها من موقف إلى موقف ومن تصرف إلى تصرف... ومن تصرف إلى شعور؟!

أو هو 'المشاركة الوجدانية' لأشخاص القصة؟! وما تثيره في النفس من مشاعر تنفجر وتفيض؟!

أو هو انفعال النفس بالمواقف حين يتخيل الإنسان نفسه داخل الحوادث؟! ومع ذلك فهو ناج منها متفرج من بعيد؟!

أيًّا كان الأمر فلا شك أن قارئ القصة وسامعها لا يملك أن يقف موقفًا سلبيًا من شخوصها وحوادثها؛ فهو ـ على وعي أو غير وعي ـ يدس نفسه على مسرح الحوادث, ويتخيل أنه كان في هذا الموقف أو ذاك, ويروح يوازن بين نفسه وبين أبطال القصة فيوافق أو يستنكر أو يملكه الإعجاب.

والإسلام يدرك هذا الميل الفطري إلى القصة؛ لما لها من تأثير ساحر على القلوب, فيستمع إليها لتكون وسيلة من وسائل التربية والتقويم. [أولادنا أكبادنا].

فهي تستهوي الطفل في عمره المبكرة ويفضلها على غيرها.. لأنها تترك أثرًا واضحًا في نفسه وتغرس لديه القيم المرغوب فيها من خلال مشاركته الوجدانية وتعاطفه مع أبطال القصة ومعايشته الحوار والأحداث التي تصورها، وتلعب دورًا كبيرًا في شد انتباهه ويقظته الفكرية والعقلية'. [الإنصات الانعكاسي].

'فلربما كان قص الحكايات الهادفة على الأطفال أفضل أسلوب لتثبت بعض المعاني لديهم بعيدًا عن الأمر والنهي.. والوعظ المباشر.

كما أنه مفيد جدًا في إخراج الطفل من إيحاءات البيئة المحلية المحدودة, والتي قد تكون سيئة إلى بيئة أرحب وأفضل تتمثل في المبادئ الأخلاقية ومعاني الاستقامة والنجاح.

كما أن القصة تمكّن الطفل من إدراك الأمور العقلية المجردة مثل الإيمان والإخلاص والحب والتفاؤل.. حيث إن القصة بما فيها من أشخاص وأحداث تساعد على تقريب تلك المعاني والمفاهيم بصورة مجسدة حية.

إن القصة تساعد الطفل على تملك مهارة الإصغاء والقدرة على التركيز والانتباه، كما تساعده على تنمية قدرته على لم شتات الأفكار وتقديمها على نحو تسلسلي متتابع على برمجتها في التركيب الفكري أثناء نومه'. [دليل التربية الأسرية].

'كما أنها تشكل وعاء نشر الثقافة بين الأطفال؛ لأن من القصص ما يحمل أفكارًا ومعلومات علمية تاريخية وجغرافية وفنية وأدبية ونفسية واجتماعية...

إضافة إلى أنها توفر لهم فرصًا للترفيه في نشاط ترويحي وتشبع ميولهم إلى اللعب؛ لذا فهي ترخي مختلف المشاعر والأمزجة والأخيلة باعتبارها عملية مَسْرَحة للحياة والأفكار والقيم.

إضافة إلى أن القصة تساعد الأطفال على إنماء ثرواتهم اللغوية.. فالأطفال يمكن أن يفهموا القصة من خلال تكوين صورة عامة عن حوادثها ومضمونها رغم جهلهم ببعض معاني كلماتها ومن خلال السياق يتعرفون على معاني كلمات كثيرة'. [ثقافة الأطفال].

القصة.. كيف؟!

1ـ لعل أفضل المصادر للقصص النظيفة المؤثرة ليجدها الإنسان في كتاب الله العظيم وفي سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحياة الصحابة والتابعين وأعلام هذه الأمة.

ولكن لا بد من ملاحظة:

- على الأهل أنفسهم قضاء وقت كافٍ لسماع وقراءة هذه القصص، لإشباع غريزة الفضول في الطفل وحبه للقصة وكثرة الأسئلة.

- ينبغي للأهل استخدام الأسلوب الشائق واللغة البسيطة التي تصل إلى قلب وعقل الطفل الصغير.

- ينبغي التأكد من صحة مصادر القصص وعدم استخدام القصص المشكوك فيها، والتي قد تترك أثرًا سيئًا في الطفل حين يكبر ويعرف أن هذه القصص لم تكن صحيحة'. [أولادنا أكبادنا].

2ـ على الآباء أن يختاروا القصص الهادفة والخالية من النهايات المفزعة أو المشتملة على الخرافات أو التي تتحدث عن وقائع أبطالها حيوانات مخيفة وشرسة'. [دليل التربية الأسرية].

- ومن القصص الهادفة:

· ما يغرس في الطفل مراقبة الله.

مثال: قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع بائعة اللبن وابنتها.

· ما يغرس صفة شكر النعمة.

مثال: قصة الأعمى والأبرص والأقرع [الإنصات والانعكاس].

3ـ من المهم أن نبعد القصص والروايات البوليسية التي تعلّم الأطفال أساليب الإجرام وتهوّن عليهم الوقوع فيها، إضافة إلى القصص التي يقع أبطالها في الموبقات مثل القتل وشرب الخمر والزنا. [دليل التربية الأسرية].

4ـ أن تكون القصص واقعية: 'والعجيب أن أكثر قصص اليوم تدور أحداثها حول المغامرات والعنف وشخصيات خرافية وهمية؛ بعضها شخصيات حيوانات أو رجال فضاء، وترى الطفل قد غرق في خيالات بعيدة عن الواقع مع قصة 'سوبر مان' أو قصة 'باتمان' و'ميكي' و'سندريلا', وكلها قصص غربية ترجمها من ترجمها بما فيها من أخلاقيات وعبث, وأقل ما يقال فيها: إنها لا تتضمن معاني تربوية رفيعة, ولا تهدف إلى غرس الأخلاق والقيم الصحيحة.. وأعظم من هذا كله أنها تغفل وجود الله بالكلية.. وأعظم من هذا أن منها ما يصور لأطفالنا أبطالاً يتحكمون في الكون من دون الله عز وجل، وبعض هذه القصص تدور أحداثها حول الجن والشياطين، وهي قصص ضارة بالأطفال من جهة أنها توقع في نفوسهم الفزع والخوف, إلى جانب أنها لا تحمل قيمًا ولا فائدة علمية'. [أطفالنا والترفيه].

وانجذاب أطفالنا إليها قد يكون له ما يبرره؛ وهو عجزنا كمسلمين عن توفير قصص وأفلام كرتون بهذه التقنية، وهذا الأسلوب الشيق المثير الجاذب للانتباه، وهذه ثغرة علينا أن نسدها ونكفي أطفالنا هذه المئونة.



وختامًا..

'إن الإسلام لا يحرم الفن ولا يحرم وصف لحظة الهبوط والضعف, ولكنه يعرضها كما ينبغي أن تعرض لحظة ضعف لا لحظة بطولة ولحظة عابرة يفيق منها الإنسان.

وهكذا تلتقي مطالب الفن ومطالب التصور الإيماني دون تعارض ولا نزاع، ويستفيد الإسلام بالقصة في التربية دون أن يخرج عن أهدافه الأصلية، أو يجانب الحق أو يحول الفن إلى خطب وعظية سطحية التأثير'. [أطفالنا أكبادنا].