هذا الجامع أطلق عليه في أول الأمر اسم جامع الخطبة، لأنه كان الجامع الرسمي الذي تقام فيه صلاة
الجمعة داخل المقر الرسمي للحكم في عصر المماليك.

قام الناصر محمد بن قلاوون بإنشاء جامعه في موقع جامع الكامل محمد، أخذ المسجد الجامع وما حوله
من "فراش خانة وحوائج خانة والشرب خانة" التي توضع فيها الأدوات الخاصة بالقصر السلطاني،
وضمها إلى مساحة المسجد القديم، وقام بهدمه وبنائه مرة أخرى في عام 718 هـ.

ولكن يبدو أن الجامع بعد أن أقيم تراءى للناصر محمد أن يعيد بناءه مرة أخرى، وبالفعل قام بإعادة
المنطقة التي تعرف ببيت الصلاة وقام بتعلية الجامع نفسه في سنة 735.

عندما وصل الإنجليز إلى مصر واحتلت مصر في هذه الفترة، تحول هذا الجامع إلى سجن،
وفي نفس الوقت قسمت وبنيت جدران بين الأروقة الموجودة فيه وبين الأعمدة لتصبح نوعا من الزنازين
التي يسجن فيها المسجونون، وظل جامع القلعة أو جامع الناصر محمد بن قلاوون على هذه الحالة
طوال الفترة التي كان فيها الاحتلال البريطاني في مصر، إلى أن قامت لجنة حفظ الآثار العربية بين
سنتي 1935 و1947 بإعادة رونق هذا الجامع إلى ما كان عليه، وأزالت جميع التعديات التي كانت
موجودة فيه والحوائط والمباني التي أنشئت في صحنه وبين أعمدته، وأعادت بناء القبة والمحراب
والمنبر الخشبي والذي أصبح شبيها بالمنبر الموجود في جامع المرداني في باب الوزير في قلب القاهرة المملوكية.



عندما ننظر إلى المسجد نجد أن الواجهات كلها تقريبا لا توجد بها زخارف، لأنها مقار الحكم ومكان
القصور السلطانية التي بقلعة الجبل عندما كان عسكريا، ولا توجد به الصفة المدنية ولا توجد به أي زخارف.

ونجد أن المسجد الجامع قد اتخذ في العالم الإسلامي وحتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي والثامن
الهجري شكل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر عثمان بن عفان، وهو عبارة عن صحن
أوسط مكشوف وحوله أربعة أروقة من الجهات الأربعة.

الأعمدة التي نراها في أنحاء هذا الجامع كلها أعمدة أتي بها من البرابي المصرية القديمة المنتشرة
في الصعيد، ومن إحدى هذه البرابي المهدمة في مدينة الأشبونين، جلب الناصر محمد بن قلاوون
هذه الأعمدة، وسنجد أن رؤوس الأعمدة الموجودة في الجامع مختلفة ولا يوجد تشابه بينها لاختلاف
الأماكن الواردة منها والطريقة التي جلبت بها هذه الأعمدة وكيف حملت في النيل ثم إلى القاهرة ثم إلى القلعة.

للجامع ثلاثة أبواب رئيسية، الأول أمام قاعة العرش في الواجهة الشمالية الغربية، والثاني أمام الجزء
العسكري من القلعة عند الجهة الشمالية الشرقية، والثالث هو ما كان أمام باب الستارة والباب السري
الذي يدخل للقصور السلطانية وهو الآن هو مختفٍ. وحتى يخرج السلطان من القصر السلطاني لداخل
الجامع، تم عمل مقصورتان من حديد إحداهما عامة ناحية القبلة، ومقصورة خاصة بالسلطان
على يمين القبلة ويمين المنبر، وكان يصلي في هذه المقصورة السلطان وأقرب الأمراء إليه.

تعتبر قبة المسجد من القباب المتميزة جدا، وأطلق عليها القبة الخضراء لأنها كانت مزدانة ومحلاة
بالقيشاني الأخضر، ولكن هذه القبة تحطمت في فترة متأخرة في عصر الأشرف قايتباي وأعيد
بناؤها مرة أخرى، كما أن الرخام التي استخدم في فرش أرضية الجامع وفي حائط القبلة للجامع
والمحراب أيضا كانت من الأشياء المتميزة التي أشار إليها المؤرخون.

نظرة على صحن مسجد محمد بن قلاوون



سنشاهد في الواجهة الشمالية الشرقية شيئا جديدا نشاهده لأول مرة ألا وهو شرفة المؤذنين، وهي
عبارة عن شرفة يقف بها مؤذن واحد، لذلك وجدت بجوار المؤذن حتى يكون الأذان واضحا
وحتى يسمعه الجميع لأنه جامع الدولة.

كان له مئذنتان واحدة في الحائط الغربي للجامع وفوق المدخل الرئيسي، والمدخل يخرج عن
سمت جدار الحائط مثل الأبواب التي نراها ولكن بمقاييس مختلفة في جامع الحاكم بأمر الله
عند باب الفتوح. أيضا هناك مئذنة أخرى، المئذنة الأولى مئذنة ذات شرفة واحدة أو طابق
واحد، بينما المئذنة الأخرى ذات طابقين.

عندما أكمل الناصر محمد بن قلاوون بناء الجامع استقدم ما بين 15 إلى 16 خطيبا من خطباء
القاهرة وأخضعهم لامتحان، وتم اختيار خطيب مسجد عمرو بن العاص ليلقي خطبة الجمعة،
ثم أصبح بعد ذلك قاضي قضاة الشافعية هو من يلقي خطبة الجمعة بالسلطان، لأن خطبة
الجمعة الرسمية كان لازما الدعاء فيها بـ"اللهم وفق ولاة أمورنا" وكان يجب الدعاء للسلطان بالاسم.

في المناسبات الإسلامية الدينية الكثيرة التي كان يحتفل بها المسلمون، كانت القلعة مركزا لها
وكان هذا الجامع أيضا مركزا لها، وعلى سبيل المثال كان العلماء يصعدون في المناسبات
الدينية في رمضان وفي العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى، وكان يستقبلهم الخليفة وكانت
تعقد مجالس علمية كان يتداول فيها درس وقراءة صحيح البخاري.




جانب من صحن جامع محمد بن قلاوون

وكانت تخوض الدروس وخطبة الجمعة في مشاكل الدولة والرسالة التي يرغب الخليفة أو
السلطان في توجيهها للشعب.
ونظرا لأن الإنتاج الثقافي الفكري العربي الذي أنتج على امتداد سبعة قرون، عرف هذا الجامع
عند الدارسين بالموسوعات، بدأت هذه السلسلة بكتاب مباهج الفكر للوطواط القطبي مرورا
بنهاية الأرب للنويري، ثم موسوعة مسالك الإبصار لأحمد بن يحيى بن فضل الله العمري،
وختمت بكتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للقلقشندي، وكتاب مسالك الإبصار يصر
مؤلفه على أنه قد ألف كتابه في عصر سلطاننا وإمامنا ويمدح السلطان الناصر محمد بن قلاوون،
فإذن من أهم الإنتاج الثقافي الفكري الذي أخرجه عصر الناصر محمد بن قلاوون ما نطلق
عليه عصر الموسوعات متمثلا في هذه الموسوعات الثلاث الكبرى.
وكان المسجد هو الذي يجتمع فيه كبار العلماء وكبار رجال الدولة وكان مركز التجمع للسلطة والحكم.


المصدر: الجزيرة
05/09/2010