من فضل الله تعالى ورحمته بالمسلمين أن جعل لهم من التشريعات والعبادات ما فيه تطهير لهم ظاهراً وباطناً،
وما فيه تكفير للذنوب، وتزكية للنفوس، لينعموا برحمة الله سبحانه وبالقرب منه، وبثوابه الوافر الجزيل .



من هذه العبادات التي إذا ما أداها المسلم بإخلاص وحرص على آدابها وأخلاقياتها فريضة الحج،
حيث بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الحج المبرور ثوابه الجنة، وذلك في الحديث الصحيح
الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه والذي يقول: “العمرة إلى العمرة كفارة لما
بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” .

هذه البشارة تكررت في عدد من الأحاديث النبوية حيث يقول صلوات الله وسلامه عليه في حديث آخر
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: “تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي
الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة” . لكن: ما الذنوب التي
تكفرها العمرة وما خصائص ومواصفات الحج المبرور؟

يقول الدكتور سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية والداعية المعروف: الذنوب التي يرتكبها
الإنسان بتجاوزاته ومخالفاته لما فرضه الله عليه وأمره به ونهاه عنه تنقسم إلى كبائر وصغائر . .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن العمرة إذا ما أديت بشروطها وآدابها وبإخلاص شديد كفرت كل ما
يرتكبه الإنسان من ذنوب ومعاص . . لكن جمهور العلماء أكدوا أن الذنوب التي تكفرها العمرة هي
الذنوب الصغائر فقط . . أما الكبائر فتكفرها التوبة ورحمة الله تعالى وفضله، وباب التوبة مفتوح
على مصراعيه لكل إنسان ارتكب الذنوب والمعاصي ما صغر منها وما كبر .

مواصفات الحج المبرور

وعن مواصفات الحج المبرور الذي يذهب بصاحبه إلى الجنة بعد أن يكفر ذنوب الإنسان ويغسله
من أدرانه وآثامه قال الدكتور سالم عبدالجليل: الحج المبرور هو المقبول، ومن علامات القبول
أن يرجع الحاج من رحلته الإيمانية على صورة أفضل مما كان عليها قبل السفر من ناحية السلوك
الإسلامي والحرص على أداء العبادات والإكثار من عمل الخير وتجنب كل ما هو حرام أو ما فيه
شبهة حرام . . بمعنى ألا يعاود المعاصي مرة أخرى ويلاحظ كل المحيطين به تغييراً شاملاً في حياته .

وقال بعض العلماء: إن الحج المبرور هو الخالي من الرياء والذي يؤديه المسلم بإخلاص ورغبة في
أن يكون مرحلة تحول في حياته . . وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية .
وقال بعض العلماء إن الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وهو مأخوذ من البر وهو الطاعة . .
وقد جاء في حديث صحيح عن الإمام أحمد من حديث جابر “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة . .
قيل: يا رسول الله: ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام” .

والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: “ليس له جزاء إلا الجنة” أن جزاء صاحبه لا يقتصر على تكفير
الذنوب وإنما لابد من أن يدخل الجنة وذلك بفضل الله ورحمته، وإذا كان الحديث لشريف مبشراً
صاحب الحج المبرور بالجنة، فإنه من البدهي أن الله يغفر له ذنوبه، وقد جاء هذا المعنى صريحاً
في بعض الأحاديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه” .

رحلة إيمانية

الدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذة الشريعة الإسلامية تحذر من إهمال فريضة الحج أو الانشغال عنها
وتؤكد أن كل مسلم يحتاج إلى تأدية فريضة الحج والتشرف بالصلاة في الكعبة المشرفة وزيارة
مسجد رسول الله والصلاة فيه، فهذه الرحلة الإيمانية لها دور كبير في تنبيه المسلم إلى أمور إيمانية
كثيرة هو في أمس الحاجة إليها وهو في مرحلة الشباب لتستقيم حياته الدينية والدنيوية .

وتضيف: الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة ويجب في العمر مرة واحدة على كل مسلم ومسلمة
عندما تتوافر الاستطاعة لقوله تعالى: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر
فإن الله غني عن العالمين” وأجمع العلماء على أن الحج فرض عين، وهو لازم على كل مستطيع
حال توافر شرط الاستطاعة ولذلك فإن الانشغال عن فريضة الحج هو انشغال عن عبادة واحدة
وتأخيرها يعرض الإنسان لضياع فرصة لا يدري هل ستتاح له مرة أخرى أم لا، فالأعمار بيد
الخالق القادر الواهب وحده، وهو العليم الخبير، وعلى كل إنسان أن يلبي نداء خالقه ويبادر إلى
أداء الفريضة متى توافرت له الاستطاعة المادية والبدنية، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد رغبنا في أداء هذه الفريضة بكل وسائل الترغيب، فقد سئل صلوات الله وسلامه عليه:
أي العمل أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله . قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله . قيل:
ثم ماذا؟ قال: حج مبرور” وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه “حجوا فإن الحج يغسل الذنوب
كما يغسل الماء الدرن” وهو المرغب في أداء هذه الفريضة والموجه إلى سرعة أدائها فقال:
“الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم” .

وتؤكد الدكتورة عبلة الكحلاوي أن كل الأحاديث والتوجيهات النبوية التي جاءت في فضل الحج
وثوابه الجزيل وبشرتنا بأجر وثواب الحج والعمرة، تؤكد ضرورة الالتزام بآداب وأخلاقيات
فريضة الحج . . ولذلك يجب على المسلم الذي يترك أهله وعشيرته وينضم إلى قافلة ضيوف
الرحمن أن يتأدب بأدب الإسلام في كل معاملاته وسلوكه، فلا يغضب على أحد ولا يغضب منه
أحد، ولا يشتم أحداً أو يسبه أو يسيء إليه، ولا يفعل أمراً من الأمور المحظورة في الحج والعمرة،
وأن يكون حسن الخلق من كل المحيطين به، وأن يتقرب إلى الله بالدعاء مخلصاً في كل الأماكن
المقدسة، وأن يتجنب كل ما فيه ظلم أو إساءة للآخرين . . ولو حرص كل حاج على ذلك
سيغفر الله له كل ذنوبه وآثامه وسيكون حجه مبروراً وذنبه مغفوراً إن شاء الله .

المال الحلال

يقول الدكتور علي جمعة مفتي مصر: أول ما أنصح به الحاج هو الحرص على الحلال، وتجنب
كل ما فيه شبهة حرام حتى يتقبل الله منه عبادته وطاعته ويستجيب لدعائه . . وأذكر الجميع من
الحجاج وغيرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة
” فإذا كان الواجب على المسلم عموماً أن يكون طعامه حلالاً بمعنى أن يكون مصدر دخله حلالاً
ليس فيه شيء من الرشوة أو السرقة أو الاختلاس أو الاغتصاب أو التدليس أو الغش، فإن كل
نفقة الحج ينبغي أن تكون من حلال . . فلا فائدة من عبادة أنفق الإنسان عليها من مال حرام
أو فيه شبهة حرام .

فحرص المسلم على أن يكون طعامه من حلال يجعله مقبول الدعاء إن شاء الله . . أما إن سافر
الإنسان بمال فيه شبهة أو جمعه من حرام أو ظلم الناس وأكل حقوقهم، فلا فائدة من سفره وأولى
به أن يعيد حقوق الناس أو يتخلص من هذا المال المشبوه بإنفاقه في وجوه الخير ويتوب إلى الله توبة صادقة .
وينبه الدكتور جمعة إلى أن الخالق سبحانه وتعالى جعل الحج وسيلة لغفران الذنوب ومن يغفر الله ذنوبه
يجد طريقه ممهداً إلى الجنة . . ويقول: الله سبحانه وتعالى يقبل توبة المخلصين الجادين في التوبة
من عباده، فالإنسان الذي يرتكب معصية أو مخالفة شرعية ثم يتوجه إلى خالقه بتوبة صادقة يجد
كل أبواب الرحمة والغفران مفتوحة له، لأن توبته اقترنت بالإخلاص والعزيمة على عدم العودة
إلى المعاصي والذنوب مرة أخرى . . أما الذين أدمنوا المعاصي ولا يكفون عنها فلا يفيدهم حج
أو توبة، لأن توبتهم غير صادقة وغير جادين مع أنفسهم ومع خالقهم الذي يعلم السرائر .

أما الذين يجمعون أموالهم من حرام أو أنشطة وأعمال مشبوهة فعدم حجهم أفضل . . فمن علامات
الإخلاص في فريضة الحج أن تكون نفقة هذه الفريضة من مال حلال طيب . . فإن الله طيب
لا يقبل إلا طيباً، ومن حج من مال غير حلال وقال: “لبيك اللهم لبيك” قال الله سبحانه وتعالى
كما جاء في الحديث الصحيح “لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك” .

ومن مظاهر الإخلاص وصدق التوبة أن يطهر المسلم رجلاً كان أو امرأة نفسه ويخلص رقبته من
المظالم قبل سفره لأداء هذه الفريضة، فيرد الحقوق إلى أصحابها متى استطاع إلى ذلك سبيلا ويتوب
إلى الله ويستغفره في ما عجز عن رده وأن يصل أرحامه ويبر والديه ويسترضي إخوانه وجيرانه .
إذا فعل المسلم ذلك قبل سفره للحج والتزم في أداء الفريضة بالآداب والأخلاقيات الإسلامية
غفر الله له ذنوبه وأدخله جنته .

منقول من جريدة الخليج-الإمارات
12-11-2010