صغيرة بمساحتها غنية بآثارها
أثبتت أعمال التحري التي أجرتها بعثات التنقيب في جزيرة أم النار، أهمية هذه الجزيرة التي كانت في يوم من الأيام
منفذاً رئيساً للحضارة التي نشأت فيها قبل أربعة آلاف سنة، وهي صغيرة بمساحتها ولكنها مهمة بمكتشفاتها ومعالمها
الأثرية، ومن أهم المواقع الأثرية التي نقب عنها في هذه الجزيرة مستوطنة سكنية ومقبرة اشتملت على خمسين قبراً،
وقطع أثرية حملت دلالات واضحة عن طبيعة الحياة الماضية في هذه المنطقة قبل آلاف السنين، وتوجد بعض هذه
القطع اليوم في متحف العين الوطني في مدينة العين .



يقول وليد ياسين، خبير الآثار في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في العين: تقع جزيرة أم النار في الخاصرة الجنوبية
الشرقية من جزيرة أبوظبي، وقبل أن تمتد أعمال النشاط الصناعي إليها، كانت أم النار جزيرة صغيرة بطول حوالي
كيلو مترين وعرض كيلومتر واحد، أما اليوم فلها شكل يختلف تماما عما كانت عليه قبل أربعة آلاف عام نتيجة
لعمليات الاستصلاح الحديثة، ولم يبق من معالمها الأصلية إلا المنطقة الأثرية التي تقوم إدارة الآثار والسياحة بالعين
بحمايتها والمحافظة عليها، وقبل اكتشاف جزيرة أم النار كموقع أثري ظلت منطقة جنوب شرق الجزيرة العربية
منطقة مجهولة من الناحية الأثرية، ومن المواقع الأثرية التي تم اكتشافها في هذه الجزيرة من خلال أعمال التنقيب
التي أجرتها البعثة الدنماركية وهي أول بعثة قامت بالتنقيب في هذا الموقع عام 1959-1965 وكذلك البعثة العراقية
عام ،1975 مستوطنة سكنية ومقبرة تضم خمسين قبرا ذات أشكال مختلفة .

وعن مستوطنة أم النار، يضيف: أقيمت هذه المستوطنة على الحافة الصخرية المحاذية للخور الذي كان يحيط بالجزيرة
قبل أعمال الدفن الحديثة من جهتها الشرقية والجنوبية الشرقية، ولطبيعة الأرض التي أنشئت عليها المستوطنة، يبدو
الموقع كأنه يتكون من ثلاث مناطق منفصلة، ومن خلال التنقيب في أجزاء من أطلال مستوطنة أم النار تم اكتشاف
عدد من البيوت مشيدة بأحجار كلسية تم اقتطاعها من أرض الجزيرة نفسها، وقد دلت نتائج التنقيب في تلك البيوت
على ممارسة أهل النار لعملية التعدين بدليل العثور على بقايا معدن النحاس وكسر من بواتق من الفخار كانت تستخدم
لسكب النحاس، إضافة إلى هذه البقايا تم العثور على بعض الأدوات منها مناقب وأنصال سكاكين وحراب لصيد السمك،
جميعها مصنوعة من النحاس، أما بالنسبة إلى الأدوات المصنوعة من الحجر فقد تم العثور على ثقالات كانت تستعمل
في شباك صيد السمك،وإذا أخذنا في الاعتبار الأعداد الكبيرة لهذه الثقالات وكذلك سنارات صيد السمك وبقايا المواد
العضوية للحيوانات البحرية نستطيع القول إن أهل “أم النار” كانوا صيادين بالدرجة الأولى .

ومن أهم المباني التي تم نقب عنها في مستوطنة أم النار مستودع يتكون من سبع غرف كبيرة تغطي مساحة أكثر
من 250 متراً مربعاً، وقد أقيم على أرضية مائلة باتجاه شاطئ الخور المجاور، وكما هو الحال في جميع أبنية أم النار
أنشئ هذا البيت بالأحجار الكريمة التي كان مصدرها نفس الجزيرة، والتي يعتقد أنها اقتلعت من الحافة الصخرية
للهضبة التي أقيمت عليها مقبرة “أم النار”، أما المكتشفات الأثرية التي عثر عليها داخل هذا المستودع، فهي بقايا جرار
تخزين كبيرة من الفخار .

ويقول خبير الآثار إن عمارة “أم النار” تميزت بمدافنها التي كانت تغطي مساحة كبيرة من الجزيرة، والتي بلغ عددها
أكثر من خمسين كوماً حجرياً، تمثل مقابر جماعية شيدها سكان الجزيرة الذين عاشوا عليها منذ أكثر من 4500 عام،
وبنيت هذه المقابر بأحجار منحوتة بإشكال دائرية يتراوح قطر كل واحد منها ما بين 6 و12 متراً، وزينت الجدران
الدائرية لهذه المدافن برسومات حيوانية أو آدمية تم نقشها على الحجر بأسلوب بارز، وقد تم تقسيم المدافن الكبيرة إلى
عدة أقسام، خصص كل واحة منها لمجموعة من الموتى، وزود كل مدفن بمدخلين كل منها على شكل شبه منحرف
يتجهان نحوه الشمال والجنوب، ومعظم هذه المدافن وجدت بحالة رديئة نتيجة التلف الذي أصابها عبر العصور، وأشارت
الأدلة الميدانية إلى أن عدداً كبيراً من الموتى دفنوا مع الأواني الفخارية والأسلحة وأدوات الزينة وغيرها لتكون لهم
عونا في مرحلة ما بعد الموت كما كان يعتقد، ورممت عدد من هذه المدافن من قبل بعثة عراقية متخصصة في الترميم
قبل أكثر من ثلاثين عاما مستخدمة الأحجار الأصلية نفسها .

ويوضح: بالرغم من أن جزيرة أم النار اليوم عبارة عن مركز صناعي فيها مصفى للبترول ومنشآت عسكرية أخرى،
فان موقع الآثار فيها محمي بسور من الطابوق، ومؤخراً تمت صيانة البيوت المنقب عنها في السابق، وذلك من قبل إدارة
الآثار والسياحة في العين، وبسبب وجود منشآت عسكرية وصناعية في الجزيرة فان الدخول إليها من قبل العامة غير
مصرح به في الوقت الحاضر .

ويتحدث حسن محمد النابودة، (باحث تاريخي) عن جزيرة أم النار من منظور تاريخي، قائلا: أثبتت أعمال التحري التي
قامت بها بعثات التنقيب أهمية جزيرة أم النار، التي كانت في يوم من الأيام المنفذ الرئيس للحضارة التي نشأت فيها، حيث
كان يعمل سكان الجزيرة في الصيد وصهر النحاس، ومارسوا التجارة خارج حدود الجزيرة ليصلوا إلى بلاد الرافدين
ووادي السند، ومن أهم المواقع الأثرية التي تم اكتشافها في تلك الجزيرة مستوطنة سكنية ومقبرة اشتملت على خمسين
قبرا ذات أشكال مختلفة .

ويضيف: من الناحية التجارية كان هناك ارتباط وثيق بين حضارة “أم النار” مع حضارات وادي الرافدين، وقد كان معدن
النحاس المتوفرة خاماته في أماكن متفرقة من جبال الحجر التي تمتد عبر منطقة أم النار في دولة الإمارات وسلطنة عمان،
عاملا مهما في نماء حضارة أم النار، وهناك أدلة كثيرة على أن أهل “أم النار” كان لهم اتصال بالعالم الخارجي، ورغم
صغر هذه الجزيرة جعلت المميزات الخاصة لتاريخها القديم عبارة “حضارة أم النار” عبارة معتمدة على المستوى العالمي
للإشارة إلى الحضارة التي سادت في الخليج العربي وجنوب شرق الجزيرة العربية قبل أربعة آلاف سنة .

ويمكن التعرّف إلى الكثير من نشاطات سكان الجزيرة من خلال الأدوات التي تم العثور عليها في المقابر والمستوطنة،
إذ تبيّن سنارات الصيد وشِباك الغطاسين اعتماد سكان الجزيرة الأوائل على البحر كمصدر للغذاء، إضافة إلى وجود أسلحة
نحاسية وأدوات فخارية مصنوعة بمهارة كبيرة ومزخرفة بتصاميم دقيقة، مما يؤكد احترافهم لهذا العمل .

متحف العين الوطني يضم مكتشفات متنوعة

في القاعة الرابعة في متحف العين الوطني، يستطيع الزائر أن يطلع على مكتشفات جزيرة أم النار، حيث تنوعت المكتشفات
الأثرية التي تم العثور عليها، لتضم أعداداً كبيرة من سنارات صيد السمك وثقالات الشباك وأقراص المغازل ومثاقب وإبر
خياطة وشفرات برونزية ومدقات وكميات كبيرة من الفخار، وعظام الحيوانات وناب لحيوان بقر البحر، والجدير بالذكر
أن هذا الحيوان لا يزال يعيش في المياه الضحلة إلى الغرب من أبوظبي، وتشير الأدلة إلى أن بقر البحر الذي تحميه
القوانين الحالية لدولة الإمارات وتحرم صيده، كان صيداً مفضلاً لدى سكان السواحل منذ بداية الألف الخامس قبل الميلاد،
وبالإضافة إلى لحمه فقد كان يستفاد من جلد هذا الحيوان وزيته .

ويستطيع الزائر أيضا أن يرى في متحف العين مكتشفات “أم النار” التي تشمل أسلحة من النحاس والكثير من أواني الفخار
والقلائد والحلي الأخرى، منها دبوس فريد من الذهب كان يستعمل لربط الشعر، ويوجد أيضا تمثال غير كامل مصنوع من
الحجر الجيري يمثل إنساناً واقفاً، وتوجد إضافة إلى هذا التمثال منحوتات أخرى عليها رسوم حيوانات كانت تزين الجدران
الخارجية لبعض مدافن الجزيرة، ومن هذه الرسوم غزال المها والثور والثعبان والجمل .


منقول من جريدة الخليج - الامارات
الجمعة ,15/04/2011