ممرات متعرجة تقود إليها بين الجبال

أينما يذهب الزائر للفجيرة يجد المكان المريح والهواء النقي لما تتمتع به الإمارة من مواقع ذات طبيعة خلابة ومنها
منطقة وعيب الحنة . وتقع المنطقة على مسافة 73 كيلومتراً شمال غرب مدينة الفجيرة على الطريق الممتد بينها
ومدينة دبا الفجيرة مروراً بقريتي وم وظاهر الصفوة .




تتميز منطقة وعيب الحنة بموقعها الرائع على أطراف وادي الفاي الكبير وسفوح الجبال التي تضم بين جنباتها
المزارع وعيون وبرك الماء لتشكل مناظر طولية عنصرها الأساسي اللون الأخضر البهي . وتشتهر وعيب الحنة
منذ الماضي بالزراعة ووفرة الماء لوجودها بالقرب من وادي الفاي الذي تتوافر فيه المياه على مدار السنة،
إضافة لوجود أعداد كبيرة من عيون وبرك المياه العذبة . وأسهم ذلك في انتشار المزارع المزروعة بأشجار
النخيل والمانجو والحمضيات والخضراوات .

كما اشتهرت القرية منذ القدم بكرم وطيبة سكانها وشجاعتهم وعرف الآباء والأجداد بصبرهم على الظروف
القاسية . كما اعتمد سكانها قديماً في تأمين لقمة العيش الكريم على ممارسة الزراعة وجمع الحطب وبيع السخام
(الفحم) إضافة إلى جمع العسل البري من الكهوف الجبلية . وعرفت وعيب الحنة منذ زمن بعيد بأرض الزرع والماء .
عبر ممرات ضيقة متعرجة قادنا الطريق إلى قرية وعيب الحنة حيث المزارع في حضرة الجبال الشاهقة
المحيطة بالمنطقة فيما تواجد الماعز بكثرة بين وعوب الجبال وطرقها .
القرية التي تتكون من 32 بيتاً يسكنها أبناء قبيلة وا حدة هي قبيلة اليمامحة نسبة إلى اليماحي .

الحاج محمد أحمد راشد اليماحي يبلغ من العمر 90 عاماً وما يزال متمسكاً بشيمة العطاء وأهمية العمل ويواصل
دوره الفاعل في العناية بمزارعه بنفسه ولم يتوقف يوماً عن رعاية مزرعته ومتابعتها قبل طلوع الشمس .
ولا يعيقه تقدمه في السن عن مواصلة أعماله بيده برغم من بعد وصعوبة الطريق إلى مزرعته . يقول الوالد
محمد اليماحي عن وعيب الحنة في الماضي . المنطقة قريبة من وادي الفاي ولم تكن المياه تنقطع عنها وكان
الوادي تتجمع عنده قوافل الركبان أي الإبل والخيول القادمة من رأس الخيمة ومناطقها إلى منطقة دبا الفجيرة
ودبا الحصن وما يجاورهما . وكانت هذه القوافل تبقى بمنطقة وعيب الحنة أياماً وليالي للتزود بالماء والاستراحة
من تعب الطريق . وفي وقتنا الحاضر جفت المياه من الوادي خلال السنوات العشرين الماضية وبقي العديد من
الينابيع والبرك المنتشرة في مختلف أنحاء المنطقة وأسهمت في انتشار أشجار النخيل وغيرها من الأشجار
والنباتات والمحاصيل التي تشتهر المنطقة بزراعتها .

وأضاف: اشتهرت المنطقة ولاتزال بالعديد من أشجار النخيل ومحاصيل البر والدخن والشعير وزراعة نباتات الأعلاف
للحيوانات إضافة إلى زراعة أشجار المانجو “المامبا” والعديد من أشجار الفواكه والحمضيات . وتنتشر على طول
سفوح الجبال السفلية للمنطقة العشرات من المزارع المفصولة بعوازل حجرية . وكان الفلج الرئيسي الذي يسقي
هذه المزارع مبنياً على الطريقة القديمة .

وأشار اليماحي إلى أن أهالي وعيب الحنة والمناطق المجاورة كانوا في الماضي يؤدون مناسك الحج والعمرة قبل 70 عاماً
من خلال التنقل عبر الوديان والجبال بشق الأنفس وكان بعض الأهالي يقطع المسافات هذه سيراً على الأقدام والبعض
الآخر يقوم بالتنقل على الإبل والخيول أو الحمير كما كنا نقوم أيضاً بتحميل الحمير بالحطب والعسل البري بهدف
التجارة به في السعودية أو عبر الأسواق الموجودة في طريقنا إلى مكة المكرمة .

وعن تنمية وعيب الحنة يقول غريب مصبح سالم اليماحي (70 عاماً): سميت القرية بهذا الاسم بسبب كثرة الوعوب
الجبلية ومفردها “الوعب” وهو مكان صالح للزراعة في الجبال يزرع فيه العديد من المحاصيل التي تعتمد على مياه
الأمطار في ريها، أما الحنة فهي النبات الشهير الذي يستخدم للزينة .
وأضاف اليماحي أن المنطقة تتميز منذ القدم بكثرة المياه فيها سواء مياه الآبار العذبة أو الينابيع والأودية والشعاب
الصغيرة وهذا ما جعلها من أكثر المناطق المعروفة بالزراعة .

وعن عادات وتقاليد أهالي القرية يقول اليماحي: يفضل أهالي وعيب الحنة الجلوس أمام منازلهم في الأعياد والمناسبات
المتعددة حيث يقوم رب الأسرة بتحضير مأكولات شعبية متعددة والقهوة والتمر، ويجلس أمام منزله ليسمح للمارة
والزائرين بمشاركته .
علي محمد سعيد اليماحي (35 عاماً) يقول: عاش أهالي وعيب الحنة منذ عشرات السنين في بيوت القفل والصفة أي
(العريش) التي استخدموها في الفصول المختلفة وعشق الأهالي العيش في الجبال العالية بما فيها من صعوبات
وعناء وبذل الجهد والاعتماد على النفس .
ويؤكد أن سكان وعيب الحنة يعيشون أسرة واحدة تربطهم علاقات النسب والقربى . ويتميزون بالكرم والجود
وصفاء القلوب والنفوس ويحبون من يزورهم من داخل القرية وخارجها حسب العادات والتقاليد المتوارثة .

وأشار اليماحي إلى ملامح التطور في منطقة وعيب الحنة قائلاً: بعد الاتحاد بنيت المساكن الشعبية الحديثة وتجمع
الناس بعدما كانوا متفرقين بين الجبال والأودية في بيوت الطين والحجارة والعريش . وشهدت المنطقة تحولات
كبيرة في كل المجالات بفضل اهتمام الحكومة .
ويؤكد اليماحي أن منطقة وعيب الحنة تتميز بمناظر رائعة في مواسم هطول الأمطار حيث تتجمع المياه بشكل طبيعي
فوق الجبال ثم تنساب بروية نحو المنخفضات والأودية مشكلة رافداً مائياً غنياً للمزارع المنتشرة في المنطقة ومنظراً رائعاً .

عبيد راشد (78 عاماً) يقول: العسل كان مصدراً للرزق لدى الأهالي، إذ كانوا يجمعونه من كهوف الجبال المجاورة
للقرية من أشجار السمر والسدر البري المنتشرة في كل أرجاء المنطقة والمناطق المجاورة . وكان هناك نوعان
من العسل هما عسل السمر، أي عسل البرم وهو زهور أشجار السمر الصغيرة، وعسل السدر ويسمى عسل اليبياب .
وكانت النباتات البرية التي تنبت بشكل طبيعي في الجبال تشكل مصدراً موسمياً قوياً يعتمد عليه الأهالي في الأكل
والعلاج للعديد من الأمراض التي كانت منتشرة في ذلك الوقت منها نباتات الحماض والحرمل والفقع والزبيدية .

محمد غريب مصبح اليماحي يقول: المرأة في الماضي في قرية وعيب الحنة كانت تكمل الرجل وتساعده في أغلب
أعماله كالرعي والزراعة والحصاد وجمع الحطب والتمور، كما يوكل إليها ومازالت بشكل أساسي صناعة الخبز
أو “السفاع” كما كانوا يسمونه في الماضي والقيام بأعمال البيت وتربية الأبناء تربية صالحة أساسها العقيدة الإسلامية
وعادات وتقاليد الآباء والأجداد .

وأضاف اليماحي: منطقة وعيب الحنة اشتهرت منذ القدم بزراعة النخيل والأفلاج التي استخدمت فيها جذوع النخيل
المقعرة كممر للمياه من وادي الفاي إلى المزارع المنتشرة فيما تميز أهل وعيب الحنة في الماضي بالترحال صيفاً إلى
أسواق الشارقة ودبي ورأس الخيمة للبيع والشراء .

علي محمد أحمد اليماحي 30 عاماً: القرية ساحرة وهادئة وقد يكون العامل المهم الذي أضفي عليه رونقها الخاص هو
وجودها بين الجبال شاهقة الارتفاع، إذ يحدها من الجنوب جبال الميضرة ومن الشمال جبال الحمري ومن الشرق
جبلا ظاهرة الصفوة وهما من أعلى الجبال التي تطل على المنطقة كما أن وجودها في أحضان وادي الفاي أكبر
الأودية في المنطقة والشعاب المائية الصغيرة جعل منها منطقة ذات رونق خاص لوجود مياه البرك والينابيع العذبة
المتفجرة من بين صخور جبالها على مدار أيام السنة .

ويؤكد مصبح غريب اليماحي (20 عاماً) أن وعيب الحنة ومنطقة ظاهرة الصفوة المجاورة لها محتفظتان بجمالهما
وصفاء طبيعتهما الخلابة بعيداً عن أي نوع من أنواع التلوث أو الازعاج كما أنها مناطق تاريخية حيث تضم كل
منطقة العديد من بقايا البيوت القديمة والآبار القديمة التي قد يتجاوز عمرها مئات السنين .
وأشار راشد محمد اليماحي (21 عاماً) إلى أن منطقة وعيب الحنة تعد من المناطق التابعة لمنطقة وادي الفاي التي
تضم قرى عدة، وهي من المناطق التي يقصدها زوار من مدن ومناطق الإمارات جميعها للاستمتاع بهوائها العليل
وطبيعتها البكر .


منقول من جريدة الخليج - الامارات
الجمعة ,11/05/2012