نوح يبني سفينة الإيمان في الصحراء

نعيش اليوم مع بعض المواقف التي تعرض لها نبي الله نوح عليه السلام، والتي ورد ذكرها في ثلاثة وأربعين موضعًا من القرآن الكريم مطولة تارة وفي إيجاز تارة أخرى بحسب ما تكون العناية موجهة إلى ناحية من العظمة والاعتبار منها.
ونبي الله نوح عليه السلام، هو ابن مالك متوشلح بن إدريس عليه السلام وقيل إن قومه كانوا من سكان جزيرة العرب ومن حولهم، والمشهور أنه كان يسكن أرض الكوفة وهناك أرسله الله لينذر قومه عاقبة كفرهم وعبادتهم الأصنام. واستمر نوح عليه السلام يدعو قومه إلى عبادة الله وحده وترك الشرك مدة طويلة جدًا،
ويدل على ذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة العنكبوت آية 14: “ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا” ولم يزد عدد المؤمنين بدعوته في تلك المدة وإنما ازداد عدد الكافرين المعاندين له
والساخطين عليه والمناوئين له. وحزن نوح عليه السلام أشد الحزن على جحود قومه وعنادهم في مخالفته لما يدعوهم إليه وإيذائهم له وإرهابهم للضعفاء من أتباعه حتى لا يؤمنوا بدعوته، غير أنه لم يفقد الأمل في هدايتهم وظل يدعو قومه ويجادلهم بأقوى الأدلة المقنعة بعظمة الله وجلاله، وأنه سبحانه خلقهم أطوارًا متدرجة نطفًا ثم علقا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحما. وأنه سبحانه خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض وأنه سبحانه جعل القمر في هذه السموات نورًا وجعل
الشمس مصباحًا، وظل هذا النصح والإرشاد يدعوهم ليلا ونهارًا سنين طويلة ولكن قومه ظلوا على كفرهم وكبريائهم وتبجحهم، ويجمعون الناس من حولهم على الكفر والضلال ومخالفة نوح ومناوأته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

بناء السفينة

ضجر نوح من طغيان قومه وعنادهم المستمر فدعا عليهم بعد أن يئس من هدايتهم قائلا: “رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا”، فاستجاب له ربه وأوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من آمن، وأن عليه ألا يحزن ولا يبتئس وأن الله سوف يعاقبهم على سوء أعمالهم، وأوحى إليه أن يصنع سفينة كبيرة.
وعلمه سبحانه وتعالى كيف يبنيها قوية محكمة قائلاً له: “واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا انهم مغرقون” وذلك لأن الله قضى عليهم بالموت غرقًا في طوفان يعمهم فلم ينج أحد منهم مهما يكن مركزه من جاه أو قرابة لنوح عليه السلام.
وتقول الأخبار إن نوحًا عليه السلام ألهمه الله كيف يعد للسفينة وسائل ومواد بنائها فبدأ يغرس الشجر ويزرعه ليأخذ منه ألواح الخشب اللازم لها، وبعد مرور سنوات كبر الشجر وقطع منه نوح ألواحًا كثيرًة وأخذ يباشر صنع السفينة ويربط أجزائها بالمسامير حتى صارت سفينة ضخمة ذات طبقات، لم يذكر لنا القرآن شيئًا عن حجمها أو شكلها، وكل ما جاء عنها هو مكان رسوها على الجودي، وهو كما يقال جبل آرارات الشامخ في سلسلة جبال أرمينيا في آسيا الصغرى.
وتروي الأخبار أن نوحًا عليه السلام أعد صناديق وأقفاصًا كثيرة ليضع فيها مختلف الطيور والحيوانات الأليفة ويودع بها ما يلزم من مؤن ومتاع وغير ذلك مما يلزم لمن كان معه من أهله ومن آمن به من قومه.
وكان قوم نوح كلما مروا عليه وهو يبني السفينة يسخرون منه لأنه يصنع سفينة في صحراء بعيدة عن مياه البحار والأنهار ويتندرون بالنكات اللاذعة عليه، فكان يرد عليهم قائلا: “إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون، فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم”.

بدء الطوفان

انتهى بناء السفينة وتم شحنها بكل حمولتها، ومكث نوح ينتظر ما وعده الله به من أنه إذا افار التنور وهو الفرن الذي في بيته بالماء فهذه علامة بدء الطوفان، وجاءت اللحظة الرهيبة وأخذ التنور يفور بالماء وانهمر المطر من السماء وتفجرت عيون الأرض كما قال تعالى:
“ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات الواح ودسر”.
وتقول بعض الروايات إن جبريل عليه السلام هو الذي حمل إلى السفينة من كل أليف نافع من الحيوان والطير زوجين اثنين ذكر وأنثى حتى لا تنقرض أنواعها من الأرض، ويقول بعض المفسرين إن الطوفان كان محلياً أغرق الأرض التي بها قوم نوح، ويقول آخرون إن الطوفان كان عاماً أغرق الأرض كلها، وإلا لما كان هناك ضرورة لحمل هذه الحيوانات وغيرها من المخلوقات في هذه السفينة لبقاء الحياة والأحياء دون انقراض.
ويقال إن الأرض كانت آهلة بالخلق وعامرة بحضارة متقدمة يدل عليها ما يجده علماء الجيولوجيا من حفريات تدل على ما وصل إليه الإنسان في تلك العصور من علوم ومدنية.
واختلف العلماء في عدد من كان مع نوح في السفينة فعن ابن عباس: كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم وامرأة نوح وهي أم أولاده كلهم، وهم حام وسام ويافث ويام وهو الذي يسميه أهل الكتاب كنعان وهو الذي كفر واعتزل أباه، فلما دعاه نوح أن يركب السفينة معه رفض وقال له: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء فقال له نوح : “لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين”. ونجا نوح ومن كان معه من المؤمنين وهم الذين ركبوا السفينة معه.
وبعد أن قضى الله قضاءه بإغراق قوم نوح بالطوفان قال تعالى: “يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعي، وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين”.
وتؤكد المواقف التي تعرض لها نوح عليه السلام على معان سامية منها: أنه ظل يذكر قومه بأنه أمين في رسالته ولا يسألهم عليها أجرًا منهم ولا شكرًا، ولكنهم كذبوه وناصبوه العداء.
أنه وقف موقف الصمود إزاء حملات التكذيب والتشكيك من سادة قومه وهم أكابرهم ووجهاؤهم الذين كانوا يتطاولون عليه ويأنفون منه لانضمامه إلى فقراء قومه وضعفائهم والتفافهم حوله.
ومن الجدير بالذكر في نهاية الحديث عن المواقف التي تعرض لها نوح عليه السلام أن نقول: ان ابنه هلك مع الهالكين على الرغم من استشفاع أبيه فيه عند ربه حتى لا يعتمد الناس على أحسابهم وأنسابهم لأن النجاة والفلاح والأمان لا تكون إلا لمن اهتدى وأطاع الله ورسوله.