يقول الحق سبحانه في سورة الحج: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوّان كفور. أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور”.

بعد ان تحدث الله سبحانه وتعالى عن شعائر ومناسك الحج في الآيات السابقة على هذه الآيات اذن سبحانه وتعالى للمؤمنين بالجهاد في سبيله للدفاع عن دينه وشعائره ووعدهم عز وجل بالنصر متى نصروه وحافظوا على فرائضه.. فالله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه يدافع عن المؤمنين ضد أعدائهم وخصومهم فيرد كيدهم في نحورهم.. قال بعض المفسرين إن “يدافع” بمعنى يدفع، أي ان الله تعالى يدفع السوء عن عباده المؤمنين الصادقين ويجعل العاقبة لهم وعلى اعدائهم.

فالجملة الكريمة كما يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في تفسيره لهذه الآية بشارة للمؤمنين، وتقوية لعزائمهم حتى يقبلوا على ما شرعه الله لهم من جهاد اعدائهم بثبات لا تردد معه، وبأمل عظيم في نصر الله وتأييده.

وقوله سبحانه: “إن الله لا يحب كل خوّان كفور” تعليل لوعده سبحانه للمؤمنين بالدفاع عنهم وبجعل العاقبة لهم.. و(الخوّان) هو الشديد الخيانة و(الكفور) هو المبالغ في كفره وجحوده.. والمعنى أن الله تعالى يدافع عن المؤمنين لمحبته لهم ويبغض هؤلاء الكافرين الذين بلغوا في الخيانة والكفر اقصى الدركات..

مشروعية القتال

ثم رخص سبحانه وتعالى للمؤمنين بأن يقاتلوا في سبيله دفاعا عن الدين والوطن فقال: “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا”.. وقوله تعالى (أذن) فعل ماض مبني للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى الإباحة والرخصة.. والمقصود اباحة مشروعية القتال.. وقد قال كثير من المفسرين ان هذه الآيات اول ما نزل في شأن مشروعية القتال.

والمعنى: أذن الله تعالى للمؤمنين ورخص لهم بأن يقاتلوا اعداءهم الذين ظلموهم وآذوهم واعتدوا عليهم، بعد ان صبر هؤلاء المؤمنون على أذى اعدائهم صبرا طويلا.

وقوله تعالى: “وإن الله على نصرهم لقدير” وعد منه سبحانه للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد في سبيله بدون تردد او وهن.. أي: وان الله تعالى لقادر على ان ينصر عباده المؤمنين، وعلى ان يمكن لهم في الأرض، وعلى ان يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين.

وقوله سبحانه: “الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله” بيان لبعض الأسباب التي من اجلها شرع الله الجهاد في سبيله.. والمعنى: أن الله عز وجل لقدير على نصر المؤمنين الذين أخرجهم الكافرون من ديارهم بغير حق، وبغير أي سبب من الأسباب، سوى انهم كانوا يقولون ربنا الله وحده، ولن نعبد من دونه إلها آخر.

ثم حث سبحانه المؤمنين على القتال في سبيله، بأن بين لهم ان هذا القتال يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه.. فقال تعالى: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا”.

والمراد بالدفع: إذن الله للمؤمنين في قتال المشركين.. والمراد بقوله “بعضهم” الكافرون، وبقوله “ببعض” المؤمنون والصوامع: جمع صومعة، وهي بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم.

والبيع: جمع بيعة بكسر الباء وهى كنائس النصارى التي لا تختص بالرهبان والصلوات: أماكن العبادة لليهود.

ومعني الآية: ولولا ان الله اباح للمؤمنين قتال المشركين لعاث المشركون في الأرض فسادا، ولهدموا في زمن موسى وعيسى اماكن العبادة الخاصة بأتباعهما، ولهدموا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم المساجد التي تقام فيها الصلاة.
منقول من جريدة الخليج
الإمارات