من القصص المثيرة في القرآن الكريم قصة نبي الله نوح عليه السلام، وهو الذي أثبت القرآن بأنه لبث في قومه يدعو 950 سنة، ومعلوم ان الانبياء ما كان الوحي ينزل عليهم ولا يبعثون إلا بعد سن الاربعين، ويعني هذا انه عاش ألف سنة على الاقل.

تصور لو عاش أي منا هذه السن فكم من المشاكل يواجهها؟ ألا يتمنى ان يموت عندئذ كي يتخلص من العذاب؟ إذن الموت نعمة كما ان الحياة نعمة، والله سبحانه وتعالى كان أعرف بمصلحة العباد عندما كتب عليهم الموت.

وبالفعل فإن نبي الله “نوح” عندما عمر هذا العمر لقي المكابرة والعناد من قومه وفي النهاية لم يلق منهم الا اليأس فدعا عليهم قائلا: “رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا، انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا” (نوح: 26 27).

ورد ذكر نوح في سبع سور من القرآن هي: الاعراف وهود ويونس والشعراء والصافات ونوح والقمر.

وإذا كان آدم عليه السلام هو أول نبي على الأرجح فإن نوحا عليه السلام هو أول رسول، والفرق بين النبي والرسول واضح عند أهل العلم. نعم وجاء نوح ليقول للناس اعبدوا الله وحده، وهذه كانت دعوة كل الانبياء والرسل من بعده. لكن تميزت بعثة نوح بأن بعثه الله ليزيل النظام الطبقي وقضية التفاضل بين الناس التي كانت سائدة في عهده، وذلك واضح في قول الله تعالى على لسان قومه: “وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي، وما نرى لكم علينا من فضل”. ويقولون كما ورد في آية اخرى: “أنؤمن لك واتبعك الأرذلون”.

أقول: ولا تزال البشرية متمسكة بأذيال العنصرية والطبقية، رغم أنهم رأوا كيف لقي أولئك المستعلون في الارض مصيرهم، وان المتكبرين يبتليهم الله بمن هو أشد تعاليا وتكبرا، وقد صدق الشاعر اذ يقول:

مثل الجاهل في إعجابه

مثل الناظر من أعلى الجبل

ينظر الناس صغارا وهو في

أعين الناس صغيرا لم يزل

ونقف مع نوح عدة وقفات أيضا، فهو لم يكن انسان عاديا لأنه عمر طويلا وطويلا وصبر طويلا وطويلا.

ثم إنه لم يكن النبي الثاني بعد آدم أبي البشر بحكم ان أدريس عليه السلام كان قبله كما تقول الروايات.

الا انه أبو البشر أيضا بعد آدم عليه السلام بحكم انه صاحب الطوفان الذي عم الارض كلها، فلم يسلم حينئذ الا من كان معه في السفينة.

ومعلوم ان الناس الموجودين بألوانهم وجنسياتهم كلهم من ذرية أبناء نوح الثلاثة الذين هم: سام وحام ويافث، وقد قال أحد الشعراء:

عرب وفارس وروم فاعلمن

أبناء سام فيهم الخير كمن

والترك والبربر والسودان

أبناء حام ذلك البيان

يأجوج مأجوج مع الصقالبة

ليافث لا خير فيهم قاطبة

ووقفة اخرى مع نوح انه كان يدعو للاصلاح ولا يهتم بسخرية الناس منه واستهزائهم به، وهذا يعني ان صاحب المبدأ يجب ان يثبت على مبدئه، وما عليه من الناس، فالقافلة تسير والكلاب تنبح فكم كانوا يتعرضون له بالضرب والايذاء بالقول. ومع ذلك كان كبيرا في معنوياته لا يعرف الاحباط والملل، بل يوجد لهم عذرا فيقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

ووقفة اخرى مع نوح عندما علم قومه الاستغفار وكان قد اصابهم القحط والجفاف قال تعالى على لسان نوح: “استغفروا ربكم انه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا”.

وبالمناسبة فإن كتب التفسير تروي بأن الامام مالك جاءه قوم يشكون القحط فأمرهم بالاستغفار، وجاءه آخر يشكو الفقر فأمره بالاستغفار، وآخر شكا العقم فأمره بالاستغفار، وآخر شكا مزرعته التي صارت قليلة البركة فأمره بالاستغفار أيضا، فتعجب طلبته من الشكاوى المختلفة والعلاج واحد، فاستشهد الامام بهذه الآية.

فهل يا ترى انتبه الناس الى هذه الصيدلية الالهية المفتوحة بالمجان أم ما زالوا يبحثون عن العلاج؟
د.عارف الشيخ
منقول من جريدة الخليج
الإمارات