إنه الشهيد المجاهد التقي، ابو عبدالرحمن القرشي العدوي، عرف الاسلام قلبه من قبل ان يسلم اخوه امير المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه وكان أسن من عمر.

ولقد حباه الله بسطة في الجسم، فكان طويلاً، أسمر اللون، ذا هيبة وجلال، وذا عزيمة ووفاء، وصدق واخلاص.

ولما كانت الهجرة الى المدينة، كان زيد في صحبة اخيه عمر بن الخطاب، وخرج معهم بعض اهلهم وقومهم من المستضعفين يحتمون بهم، ولما وصل الى المدينة آخى النبي بينه وبين معن بن عدي الانصاري.

ولمّا أذن الله للمؤمنين بالقتال، كان زيد من اوائل الفرسان الذين استجابوا لله ولرسوله. وشهد بدراً، وأبلى بلاء حسناً، وفي احد ضرب اروع المثل في التضحية والشجاعة والفداء، فقد تقدم منه اخوه عمر، وهمس في أذنه همسة رقيقة وقال له: “يا زيد، خذ درعي كيما تقي بها جسمك من ألسنة الرمال، وأسنة البيض” وفي همسة مشحونة برحيق الايمان قال زيد مبتسماً: “يا عمر، اني أريد من الشهادة ما تريد”.

وتابع زيد رضي الله عنه حضور المشاهد، فشهد غزوة الخندق، كما شهد بيعة الرضوان بالحديبية، وبايع رسول الله يومها على الموت فكان ممن رضي الله عنهم.

وبعد موت رسول الله ارتد كثير من المسلمين، وادعى بعضهم النبوة، كمسيلمة الكذاب والاسود العنسي وغيرهما.

وسارت الجيوش المسلمة بقيادة خالد بن الوليد الى اليمامة، لقتال مسيلمة، فكان زيد على رأس المجاهدين يحمل رايتهم.

وكان هناك رجل اسمه (الرجال بن عنفوة) ارتد مع مسيلمة ولقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع ابي هريرة وفرات بن حيان فقال لهم: “احدكم ضرسه في النار مثل احد” فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرجال مع مسيلمة وشهد له زوراً ان رسول الله أشركه في الامر معه، وألقى اليه شيئاً مما كان يحفظه من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة.

وكان أصحاب رسول الله يحترقون شوقاً لقتل هذا الخبيث الرجال بن عنفوة الذي حشد الحشود لنصرة مسيلمة الكذاب.

وكان زيد بن الخطاب من الذين يبحثون عن الشهادة أينما كانت، فلما كان يوم اليمامة دفع اليه خالد بن الوليد اللواء، واشتد وطيس المعركة، وكادت الهزيمة تلحق بالمسلمين حتى كاد القوم يقضون على ام تميم زوجة خالد حتى اجارها مجاعة وقال: “نعمت الحرة هذه” ثم شد عليهم الصحابة من جديد وتعالت صيحاتهم: يا أصحاب سورة البقرة، بطل السحر اليوم ووثب زيد بن الخطاب رضي الله عنه الى الرّجال بن عنفوة فقتله، وأراح الأمة من شره ومكره، وقال زيد بن الخطاب: “أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدماً” وقال: “والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي”.

وبقتل الرّجال بن عنفوة خارت عزائم مسيلمة الكذاب ومن معه، وتيقن الكثير ان نبوته كانت وهماً وكذباً وخداعاً.

وتاقت نفس زيد الى الشهادة بعد ان هبّت رياح الجنة، فاستنشق عبيرها، وفاح عطرها، فملأ ارض الشرف والبطولة وكان زيد بن الخطاب يحمل راية المسلمين يوم اليمامة، فلما انكشف بعض جيش المسلمين جعل زيد يقول: “أما الرجال فلا رحال، واما الفرار فلا فرار” ثم جعل يصيح بأعلى صوته: “اللهم اني أعتذر اليك من فرار أصحابي، وأبرأ اليك مما جاء به مسيلمة” وجعل يشتد بالراية ينفذ بها في نحر العدو، ثم ضارب بسيفه وقاتل قتال الأبطال ثم قتل ووقعت الراية.

وسقط زيد شهيداً، وعاد الناس الى المدينة يبشرون المسلمين بالنصر على المرتدين، والتخلص من فتنة مسيلمة الأثيم، فرآهم عمر، ولم ير معهم زيداً فبشروه بأن الله رزقه الشهادة.

فقال عمر: “سبقني الى الحسنيين. أسلم قبلي واستشهد قبلي” وهكذا كلما ذكر زيد كان عمر يقول: “ما هبّت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب”.

فرضي الله عن زيد وعن سائر الصحابة أجمعين.

السيد البشبيشي
منقول من جريدة الخليج
الإمارات
08-11-2004